من بين الشبهات التي يحاول الطغاة ترويجها في حق المجاهدين - ويحذو حذوهم بعض المخذِلين والمتقاعسين الجبناء من دعاة العمل الإسلامي - هو وصف المجاهدين بقلة العلم والفقه، وبأنهم ينجرون وراء قياداتهم بدافع العاطفة أو الإكراه أو غيرها من الدوافع، وهي تهمة قديمة وقد قيلت أيضًا للأنبياء وأتباعهم، {مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ أَرَاذِلُنا بَادِيَ الرَّاي} [هود] ، وقوله تعالى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيَِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبِعْ هَوَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف] .
فرجال القاعدة -قيادات وجنودًا - ومنهم أبطال هذه الغزوات المباركة -لم يسلموا من هذه التهم، ولكنهم كانوا فوق الشبهات، فقد فقهوا مبادئ وأصول هذا الدين، وفقهوا مبادئ الكفر والردة، وانطلقوا يعملون بما عَلِمُوا، على بصيرة ووفق ما شرعه الله تعالى وسنَّه رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فكانت أعمالهم مطابقة لعلمهم، وتنفيذًا لأوامر ربهم، وليس بدافع الجهل أو العصبية أو الانتقام أو الهروب من هذه الحياة، كما يردده الأعداء والكثير من الجبناء والقاعدين من دعاة التغيير المزيف.
فالمنهج الجهادي هو الذي أخرج هذه النماذج الفريدة، التي تذكرنا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جيل قرآني فريد، يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، يتقيد بأوامر الشرع الحنيف، وينضبط بها، ويملك الشجاعة الكبيرة على تنفيذ هذه الأوامر، ويضحي بكل غال ونفيس من أجل إرضاء الله وحده، دون سواه.
تحضرني صورة لا يمكن لي أن أنساها وهي ندوة صحفية أقيمت في إحدى القنوات الفرنسية الصليبية لعيد غزوتي نيويورك وواشنطن، حيث استدعى الصحفي الذي يدير البرنامج مجموعة من الخبراء والسياسيين لمناقشة الحدث وأبعاده وأسبابه، فكان مما قال أحد هؤلاء الضيوف وهو باحث استراتيجي يهودي خبيث، جاء رده على الصحافي الذي ادعى أن اتباع الشيخ ابن لادن هم مجرد طائفة من العاطلين واليائسين وأصحاب مستوى تعليمي متواضع وربما بدون مستوى أصلًا، فرد عليه هذا اليهودي الخبيث بكل موضوعية ولكن بغضب قائلًا: إن ابن لادن لا يقبل في تنظيمه - من الآن فصاعدًا - سوى أصحاب الشهادات العليا ابتداء من الإجازة الجامعية فما فوق، وفيهم مهندسين وأطباء واقتصاديون وصيادلة وغيرهم.
نعم لقد صدق هذا اليهودي وهو كذوب، فالقاعدة اليوم أصبحت قبلة لكل المتخصصين ذوي الكفاءات والخبرات الدقيقة والواسعة في شتى الميادين، هذا زيادة على