فهي أمة منتصرة في جميع الأحوال، ومستعلية بإيمانها وعقيدتها وبالرسالة الخاتمة التي تحملها للعالمين، معاركها لا تتجسد في جبهات القتال فحسب، بل تتعداها إلى ميادين كثيرة، خاصة ميدان النفس، حيث تسعى إلى دعوة الناس وتغيير مجرى حياتهم رأسًا على عقب، وهي حرب لا تقل خطورة عن قتال العدو بالسلاح.
ولا أدل على هذه الحقيقة الكبرى مدى حرص الأعداء على وضع العقبات المادية والمعنوية في طريق الدعوة لكي لا تصل إلى الناس فتنتشلهم مما هم فيه من جاهلية ومن ضيق، فيتحولوا إلى أنصار للحق وجنود لهدم معالم الباطل الذي كانوا يعيشون في كنفه.
إن الله عز وجل كتب الغلبة والظهور لدينه على بقية الأديان والمذاهب الأرضية {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونْ} [الصف 9] ، وقوله تعالى {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أََنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة 21] .
مهما بلغ مكر الأعداء بنا وإيذائهم لنا معشر المؤمنين فلن يتجاوزوا حد الإيذاء البدني والمادي، أنظروا معشر المسلمين ما يحدث في بلدان المسلمين منذ سنين، لقد هدموا بيوتًا على رؤوس الآمنين من الولدان والشيوخ والنساء ومدارس على رؤوس الأطفال ومستشفيات على رؤوس المرضى والجرحى ومعسكرات تدريبية بل حتى بيوت الله، وقد يغلقون مثلها من المؤسسات ويوقفون الكثير من الأنشطة العلنية التي تتقوى بها الأمة، وقد يعتقلون العديد من أبناء الأمة الفاعلين والعاملين في الساحة أو يقتلونهم، ولكن لن يستطيعوا أن يوقفوا مسيرة الدعوة والجهاد، ولن يستطيعوا إيقاف المدد والشرايين التي يجري فيها الدم المجاهد أبدًا.
كل هذا حاصل وهو إيذاء قد يطالنا إلى حين، ولابد من تحمله والصبر على خسائره وآلامه وجراحه، فطبيعة هذا الدين أنه يتقوى بمثل هذا الحصار وبمثل هذا الأذى وبمثل هذه التضحيات العظيمة.
وحينما تكون المواجهة على الأرض مع هؤلاء الأعداء فإن المعادلة تنقلب بشكل جذري، فهم حينئذ أجبن من أن يواجهوا وأجبن من أن يسددوا، بل يتحولون إلى صيد سهل لسواعد مجاهدينا {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصرون} . [آل عمران:111] .