فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 596

الماضي فقال: ابتعت منك فقال: بعتك. صح، لأن لفظ الإيجاب والقبول وجد منهما على وجه تحصل منه الدلالة على تراضيهما به فصح، كما لو تقدم الإيجاب، وإن تقدم بلفظ الطلب فقال: بعني ثوبك، فقال: بعتك، ففيه روايتان .. فأما إن تقدم بلفظ الاستفهام مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا؟ فيقول: بعتك، لم يصح بحال). [1]

والصحيح أن الإيجاب يكون بكل ما يدل عليه، فالله عز وجل أحل البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رُجع إليه في القبض والتفرق، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، والبيع كان موجودًا بينهم معلومًا عندهم، وإنما علَّق الشرع عليه أحكامًا، وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم، ولم يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه، مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنُقل نقلًا شائعًا، ولو كان ذلك شرطًا لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله و الغفلة عن نقله، ولأن البيع مما تعم به البلوى، فلو اشتُرط له الإيجاب والقبول لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيانًا عامًَّا، ولم يخف حكمه، لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرًا، وإلى أكل الأموال بالباطل، ولم ينقل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم ولأنه لو كان الإيجاب والقبول شرطًا لشق ذلك، ولكانت أكثر عقود المسلمين فاسدة، وأكثر أموالهم محرمة، ولأن الإيجاب إنما يرد للدلالة على

(1) انظر: المغني 6/ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت