فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 967

قال: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا) .

نعم , إن إبراهيم قد تأدب مع والده في الدعوة, يا أبت, يا أبت, يا أبت.

ولكن, هل ميّع إبراهيم الحق الذي يريد أن يوصله إلى والده؟ كلا , إن الحق يُبلغ كما أمر الله سبحانه وتعالى, الحكمة التي يزعمها البعض ليست في تمييع الحق, ولا في التلاعب بأحكامه, ولا في تطويعه للأهواء التي تارة تسمى بالحكمة و تارة تسمى بالعقل وتارة تسمى بالوسطية وتارة بالتوزان إلى غير ذلك, وإنما هي الأهواء كما قال الله عز وجل: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) , وقال الله عز وجل: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) , إذن إنّ الحكمة في الدعوة لا تعني أن نتلاعب بأحكام الله عز وجل, والحكمة في الدعوة لا تعني أن نطوِّع أحكام الشرع بحسب أهواء بوش وبحسب أهواء غيره من الكفرة, الحكمة تعني أن نبلغ الحق كما هو من غير نقص ومن غير زيادة بالأسلوب الحسن, كما قال الله سبحانه وتعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) نعم , ثم عندما أصر والد إبراهيم على كفره واستمسك بضلاله وتمادى في غيه وهدد وتوعد, قال إبراهيم عليه السلام: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي) وهكذا ينبغي أن يكون حال المؤمن يستمسك بالحق ولا يتنازل عنه, لا يربط نفسه بأرض ولا بقوم ولا بوظيفة ولا بمال ولا بزوجة ولا غير ذلك من أمور الدنيا كلها, و إنما يكون همه إرضاء الله عز وجل, لو أن الأرض كلها عادتك واضطرتك أن تنبذهم وأن تهجرهم وتبتعد عنهم وتقاطعهم في سبيل الله عز وجل فليكن ذلك, فليكن ذلك في سبيل الله سبحانه وتعالى, قال إبراهيم عليه السلام: (سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) ما قال سأعتزل آلهتكم, قال سأعتزلكم, لا بد من اعتزال الكفرة, لا بد من مقاطعتهم, لا بد من البراءة منهم, لا بد أن يعرفوا أننا على سبيل وهم على سبيل, نحن في شق وهم في شق, نحن في طريق وهم في طريق, أما الاختلاط والامتزاج والتلاعب بأحكام الشرع وألفاظه فهذه ستؤدي إلى ضلال كبير وإلى فساد عريض كما قال الله عز وجل: (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) , وهذه سنة إبراهيم التي أُمِرنا باتباعها, قال الله عز وجل: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ) هي البراءة من الكفرة قبل أن نتبرأ من معبوداتهم, لأن هذه المعبودات لم تكن آلهة ولم تصر معبودة إلا بأفعالهم وتعظيمهم وتفخيمهم ودعوتهم وصبرهم عليها إلى غير ذلك, (إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ) إذن هؤلاء الذين يريدون أن يخلطوا الأحكام ويقولون لك نحن نتبرأ من أحكامهم ونتبرأ من كفرهم ونتبرأ من ضلالهم ولكن هؤلاء هم مسالمون, نعم , مسالمون أو محاربون أو معاهدون أو مستأمنون, كل كافر يجب البراءة منه, قال الله عز وجل: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ) , هؤلاء هم أقرب الأقربين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) , هذه هي سنة إبراهيم التي أُمِر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يسير عليها وأن يدعو إليها وأن ينسب نفسه إلى ملته عليهم الصلاة والسلام , (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ) قبل الكفر بآلهتهم (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت