ويا أيها الإخوة إن سيرته طويلة وهذا اليوم وهو يوم الأضحى ما صار عيدًا يفرح الناس به وجُعل يوم أكل وذكر وشرب ما وصل إلى هذا إلا بعد مسيرة العناء والبلاء والشدة والهجرة وهجران الأقارب والأوطان والامتحان في العرض من إبراهيم عليه السلام حتى نجا الله ابنه إسماعيل بعد أن بلغت المحنة أقصاها, وقد أُمر بأن يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام والقصة مشهورةٌ ومعروفة وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه ثم قال: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) , إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ.
إذا فنحن نسير على سيرة إبراهيم عليه السلام , هذا اليوم لا ينبغي أن نجعله يوم أكل وشرب فقط وإنما هو يوم يذكرنا بالسالفين الأولين الخيرين المصطفين من الأنبياء والصالحين, أولئك الذين جعلوا هذا اليوم يوم ذكر وجعلوه يوم تذكرةٍ لأمة الإسلام حتى يعلموا أن أباهم الأول قد قدم نفسه لله سبحانه وتعالى عندما جاءه الأمر من عند الله سبحانه وتعالى بأن يقدم نفسه للذبح (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) .
هذه هي سيرة أبوينا عليهم السلام, فلا بد أن نسير على خطاهم, وأن نكون مستعدين لأن نبذل كل ما نملك من أموالنا وأجسادنا ودمائنا في سبيل تحقيق دين الله سبحانه وتعالى, وطاعة لأوامر الله عز وجل, وإلا فإن انتسابنا إلى إبراهيم سيكون مجرد دعوى لا حقيقة له.
نعم أيها الإخوة, فإذًا , فإبراهيم عليه السلام ألم يلقَ في النار؟ إبراهيم عليه السلام عندما وقف والأرض كلها كانت كافرة في زمنه إلا هو وزوجته سارة وابن أخيه لوط عليهم السلام لم يكن على وجه الأرض أحد على دين الإسلام غيرهم, فإبراهيم عليه السلام قال الله عز وجل في حقه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) , هي معركة العبادة, معركة التوحيد, معركة الإخلاص لله عز وجل, معركة الدينونة لرب السماوات والأرض, (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِوَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) .
وهل وجود آبائكم على ذلك حجة مقنعة أنكم على الحق؟ إذًا ما كان عليه الأولون أو ما يتواطأ عليه الأكثرون لا يجعل الحق باطلًا ولا يجعل الباطل حقًا, فإن الحق حقٌ بتنزيل الله عز وجل وإن الباطل باطلٌ بحكم الله سبحانه وتعالى, فمهما تواطأ الناس وتواطأت الدول وتواطأت الشعوب على أن يقلبوا حقًا واحدًا ثبت في دين الله عزوجل فلن يستطيعوا ذلك, فسيبقى الحق حقًا مهما كثر المنكرون وغيرهم.
(قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْمِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) .
إبراهيم عليه السلام لم ينظر إلى مسألة مصالح ومفاسد, فليس هناك على وجه الأرض مفسدة أعظم ولا أكبر ولا أقبح من الشرك بالله عز وجل, وإبراهيم كان وحده على وجه الأرض, كان هو الذي يدعو إلى التوحيد بين قوم كلهم كفار, فقال: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) فخرج قومهم إلى عيدهم وما أكثر أعياد