فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 967

ووسطيتنا التي نستمسك بها ولا نحيد عنها قِيد أنملة هي التي نجدها في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) } [المائدة51] وإن اعتبرتم ذلك تطرفًا وجمودًا.

وفي هذا الموطن أقول: يا علماء الصدق والصدع بالحق في جزيرة العرب، ها هو حامي حمى التوحيد كما يزعم علماء التملق والتزلف، يرفع راية التآخي بين الأديان، ويَهرِف بما لا يعرِف، ويحسب أنه قد وجد الحكمة التي جَهَدَ الكثيرون في البحث عنها لنزع فتيل الحروب، وقطعِ أسباب العداوة بين الأديان والشعوب، فهذا يومكم وقد حمي وطيس الشبهات، ونَغَقَت غربانُ الباطل، وأسفر الكفر عن وجهه العبوس، وآزر علماءُ المداهنة ظلمات الضلالات، وغاصوا في بطون الكتب لاستخراج أدق المشتبَهات وإقصاء الآيات المحكمات البينات، وأجهدوا أنفسهم لاختلاق الأعذار لهذا الأبله وحزبه مما لم يخطر على باله أو يمر على خاطره، ولم يحلم به في ساعة من ليل أو نهار.

وإنها واللهِ لساعة الفوز لمن أراد أن يكون من سادات الشهداء، فيقومَ في وجه هذا المعتوه المرتد، ويرد هراءَه بالحق الصراح الذي لا لبس فيه ولا التباس، وليكن بعد ذلك دمه وجسده قربانًا ترتوي به شجرة الإسلام الذابلة في جزيرة العرب، كما ارتوت أرض باكستان بدماء أهل الصدق والحق من أمثال الشهيد عبد الرشيد غازي وطائفته رحمهم الله.

ووالله إن لم تقفوا اليوم وقوف الأبطال في وجه هذا الطاغية العابث، وأفسحتم المجال لعلماء الضلالة وخطباء سجع الكهان يبررون له ويسوِّغون شطحاته وحماقاته ليأتين اليوم الذي ترون فيه نواقيس الكنائس تدق في قلب جزيرة العرب، وما أمر دولية قطر منكم ببعيد، ولتعلمن نبأه بعد حين!

فلا وسطية ولا تقارب ولا تعاضد بيننا وبين أهل الملل الكافرة، ومتى اجتمع الضوء والظلمات في موطن: {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) } [البقرة137] ،وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد كان فرقًا بين الناس، فعبثا يحاول من أراد أن يجمع بينهم على غير سبيل الهدى.

وباسم الوسطية عاث العائثون في مفهوم الجهاد، فسلطوا عليه أقلامهم وألسنتهم، فدنسوا محياه، ولوثوا رونقه، وراحوا يفرغون أحكامه في قالب هزيمتهم وجبنهم وخورهم، ليخرجوها لنا بصفة ممسوخة لا يعرفها الأولون ولا يرضاها الصادقون ولكن يكفي أن يقتنع بها كفرة الغرب المتحضرون.

فقد كانت الهجمة من قبلُ - على بشاعتها وشناعتها - تقتصر على جهاد الطلب الذي حار المنهزمون في توجيهه، وطأطئوا رؤوسهم حياء عند ذكره، وخجلوا إن واجههم أعدائهم بحقيقته، أما اليوم فها هو جهاد الدفع يلاقي ما لقي سابقه من مساعي التشويه والتنفير وجهود التمييع والتغيير، فصار الجهاد مقاومة، وقسمت المقاومة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت