فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 967

بخلاف ما أمرنا، فإما أن يؤمنوا بالله، وإما أن يخضعوا لأحكام الإسلام، فإن أبوا استعنا بالله وقاتلناهم، وهو أمرٌ جليٌ لا يخلو منه كتاب من كتب الفقه ولكن عميت عنه أبصار المنهزمين لما عميت بصائرهم: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) } [النحل116]

وباسم الوسطية والاعتدال تمحل المتمحلون لإلغاء ومحو كثيرٍ من الألفاظ والكلمات الشرعية التي تثير حفيظة الغرب الكافر، وتحول دون التقارب والتفاهم معه، فوضعوا كلمة"الآخر"محل كلمة"الكافر"، واستبدلوا بكلمة الكافرين"كلمة"غير المسلمين"، ووصفوا دين النصرانية، واليهودية،"بالأديان السماوية"بل بالغ بعضهم في شططه فسمى اليهود والنصارى"بالمؤمنين"، فجرت بمثل هذه الكلمات ألسنتهم، وسالت بتدوينها أقلامهم، وامتلأت منها مواقعهم وحواراتهم، وثقل على أصحابها الوسطيين أن ينطقوا بما نطق به كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى صار حال بعضهم يشبه حال من قال الله فيهم: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا (72) } [الحج72] "

أما وسطية الإسلام فهي التي قسمت الناس إلى فريقين لا ثالث لهما،: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ... (30) } [الأعراف30]

فإما أن يكون من أهل الإيمان وإما أن يكون من أهل الكفران، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) } [التغابن2]

وإن هذه الدعوات المنحرفة التي تتسلل إلى مسائل الدين على مهل واختفاء، وبتلبيس ومرواغة، ويهون الكثيرون من شأنها، بل يعدها بعضهم ظفرًا ما بعده ظفر، وحكمةً ما فوقها حكمة، أقول: إن هذه الدعوات إن لم تواجه من علماء الأمة الصادقين ودعاتها الغيورين بكل حزم وجرأة وصراحة، ستكون عاقبتها إحداث دين جديد - بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان-، وإني لأرى معالمه قد بدأت تتشكل، فهو دينٌ جديدٌ في مصطلحاته، جديدٌ في مفاهيمه، جديدٌ في ضوابطه وأصوله، جديدٌ في عقائده وفروعه، بل جديدٌ في عباداته ومعاملاته، وجديدٌ في مصادر تلقيه، ثم يقال لنا هذا هو الإسلام المعتدل، والإسلام المتزن، إسلام القرن الحادي والعشرين، إسلام الانفتاح والتآخي والسلام، إسلام الوسطية والتعقل، وما هو إلا إسلام (مؤسسة راند) وضراتها، الإسلام الذي يسعى أئمة الكفر في حملتهم الصليبية العصرية للوصول إليه، ولن يكون لهم ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط، فموتوا بغيظكم والعقوا الحسرات، فدين الله محفوظ، ولا يُهلكن امرؤٌ إلا نفسه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) } [الأنفال36 - 38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت