أن تُقدم نفسك التي خلقها الله سبحانه وتعالى نُصرة لدينه الذي شرعه وطاعة لأمره الذي أنزله في كتابه, وعندما تُقاتل حِزب الشيطان وأتباعه فإن هذا إعلان للبراءة منهم ومن معبوداتهم ومن دينهم, وأعلى درجات البراءة وإعلان البغضاء والعداوة هو أن تسعى في قتلهم وقِتالهم, ولذلك كان الجهاد عنوانًا حقيقيًا على الموالاة للمؤمنين والبراءة من الكافرين, فالإنسان حينما يكون في ساحة الجهاد وحينما يكون مؤديًا لهذه العبادة الجليلة فهو بهذا يعلن ولاءه لله ولرسوله وللمؤمنين, ويعلن براءته من هؤلاء الكفرة المجرمين على جميع أصنافهم وبشتى نحلهم ومِللهم.
فالله سبحانه وتعالى أيها الإخوة أكرمنا بأن نكون من هؤلاء المؤمنين المجاهدين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, ولهذا أيها الإخوة فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل الجهاد في سبيل الله عنوانًا على الصِدق معه, قال الله عز وجل (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) , وقال الله سبحانه وتعالى (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) , فالجهاد هو عنوان الصِدق مع الله سبحانه وتعالى, والمجاهدون هم الصادِقون, فعلى المسلم أن يكون مع الصادقين كما أمره الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصادقين) .
لماذا صار الجهاد دليلًا على الصدق مع إخلاص المرء وتجرده لله سبحانه وتعالى؟
لأن فيه توفية صفقة البيع بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى, كل مسلم دخل في دين الله عز وجل وأعلن بأنه رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا, فإنه بهذا الإعلان قد وقّع صفقة بيع بينه وبين الله سبحانه وتعالى وهي أعظم صفقة على الإطلاق, قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذه الآية أيها الإخوة هي آية المبايعة مع الله سبحانه وتعالى وقد تضمّنت أركان البيع كاملة فهذه الصفقة فيها المشتري وهو الله سبحانه وتعالى, وفيها البائِع وهو كل مؤمن صادق مع الله عز وجل, وفيها الثمن وهو الجنة, وفيها السلعة وهي النفوس والأموال, وفيها وثيقة العقد وهي القرآن والتوراة والإنجيل, إذًا هي صفقة بيع كاملة بين العبد المؤمن وبين الله سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ما قال في الآية إن الله سيشتري, ولا إن الله يشتري, وإنما قال (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى) يعني أن تلك الصفقة قد انعقدت وتمّت ومضت فلا تراجع فيها وقع الاتفاق بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى بدخوله في دين الإسلام وعقد قلبه على أن يكون من أهل هذا الدين, فإذن نفسك التي بين جنبيك هذه قد بيعت, أنت لا تملكها, أنت الآن مطالب بأن تُسلمها للمشتري وهو الله سبحانه وتعالى.
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) نفوس المؤمنين هي نفوسٌ زكيةٌ طيبة ولهذا ارتضاها الله سبحانه وتعالى أن تكون سلعة في مقابل الجنة, لماذا؟ لأنها نفوسٌ زكية بالإخلاص لله عز وجل وبتوحيد الله سبحانه وتعالى ولم تتدنس ولم تتنجس بالشرك كما هو حال المشركين (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) فلذلك هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا من أهل الجنة, كيف يدخل الجنة نجسٌ, قال الله سبحانه وتعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وقال الله سبحانه وتعالى