فهرس الكتاب
(بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) , بأن يكون لهم في مقابل نفوسهم الجنة, وتأملوا يا إخوة هذه الصفقة هذه النفوس التي يشتريها منا الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها وسيردّها عليك ومعها جنة عرضها السماوات والأرض, يريد منك فقط أن تُثبت صِدق محبتك لله عز وجل, يريد منك فقط أن تُثبت صِدقك في تسليم السلعة التي طالبك بها, أما السلعة فالله غني عنها سبحانه وتعالى, (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) , وهذه النفس ستخرج منك شئت أم أبيت, كل إنسان سيموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) , (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) , (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) , إذن هذه النفس ستخرج شئت أم أبيت فما عليك إلا أن تجتهد لتخرجها في الموطن الذي يحبه الله سبحانه وتعالى لتكون صادقًا موفّيًا في الصفقة التي بينك وبينه سبحانه وتعالى.
إذن فالله سبحانه وتعالى يشتري منّا شيئا هو أعطاه لنا وسيرده علينا إكرامًا منه سبحانه وتعالى ومعه جنة عرضها السماوات والأرض, فقال الله عز وجل (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) , انظر ما قال اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة, وإنما قال (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) أولًا (أَنَّ) حرف التوكيد حتى لا يبقى هناك شك أو تردد عند البائِع وهو المؤمن, ثم بعد ذلك قدّم الله سبحانه وتعالى ذُكِر في هذه الآية الجار والمجرور (لَهُمُ) قبل (الْجَنَّةَ) لأنه يدل على الاختصاص تقديم الخبر على المبتدأ يدل على الاختصاص في مثل هذه المواطن كأن الله سبحانه وتعالى قال بأن الجنة لهم وليست لغيرهم كأنه يقول بأن الجنة صارت مختصة بهم يعني تأكيد من الله عز وجل باستحقاقهم لهذه الجنة وبأنهم سيستلمونها يقينًا إن هم صدقوا في السعي لتسليم هذه السلعة (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) .
تأملوا أيها الإخوة أن ثمن نفسك -التي ستفقدها حتمًا يومًا من الأيام- جنة عرضها السماوات والأرض, جنة فيها رضوان الله سبحانه وتعالى, جنة فيها رؤية الله عز وجل, جنة فيها رفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, جنة فيها النعيم المقيم الذي لا ينقطع أبدًا, جنة لا حزن فيها ولا نصب ولا وصب, نعيم الجنة أيها الإخوة, كل هذا تأخذه, جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, كل هذا تأخذه بمقابل أن تسلم هذه النفس التي ستفقدها يومًا من الأيام شئت أم أبيت.
قال الله سبحانه وتعال (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) , ما هو المطلوب منا؟ ما هو البرهان على أننا جادون في تسليم هذه السلعة؟ أو أين هي السوق التي نسعى لنسلم السلعة فيها لله عز وجل؟
كل إنسان قد يدعي أنه يريد تسليم هذه السلعة ويريد أن يوفي بصفقة البيع التي بينه وبين الله سبحانه وتعالى إلا أن الله عز وجل ما ترك للدعاوى مجالًا بل طالب بالبينة والبرهان والحجة الصريحة في ذلك, قال (قَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) , من كان صادقًا جادًا في طلب الجنة في مقابل تسليم النفس فعليه بالقتال في سبيل الله, وما قال يجاهدون في سبيل الله وإنما قال (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حتى لا يبقى للتأويلات مجال, حتى لا يأتي أحد ويقول إنّ المقصود بذلك هو جهاد النفس أو هو جهاد الشيطان أو هو جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو هو جهاد الدعوة إلى الله عز وجل أو غير ذلك, لا إنما قال الله عز وجل (يُقَاتِلُونَ) وكلمة يقاتلون كلمة عربية لها معنى محدد واضح قاتل يقاتل قتالًا فهو مقاتل أو مقتول, كل إنسان يفهم ما هو معنى هذه الكلمة, إذن فالله سبحانه وتعالى