المجاهدين وعلماؤهم, وعلى الصعيد الفكري فلا يخفى عليكم التراجعات التي صدرت أو نُسِبت إلى بعض الرموز الجهادية بل بعض الجماعات الجهادية, فما قولكم؟
الشيخ أبو يحيى الليبي:
من البديهي حينما نقول إننا في جهاد وقتال ومدافعة فهذا يعني بالضرورة أن هناك تضحيات سيقدمها ويبذلها هؤلاء المجاهدون, وعِندما نصف أنفسنا بأننا في معركة وعلى جبهات مختلفة ومفتوحة فمعنى ذلك أن المعركة تحتاج إلى وقود وزاد وطاقة تتحرك بها عجلتها, وأنا لم أقل في جوابي السابق أننا لم نقدم شيئًا من التضحيات في المواجهة الساخنة والشرسة بيننا وبين أعدائنا الصليبيين وأذنابهم فهذا لم نقله ولا يمكن أن نقوله, وهل الجهاد إلا الجروح والقروح والقتل والقِتال والحرب السِجال؟
فكل من وفقه الله عز وجل والتزم عبادة الجهاد فهو بذلك قد مهّد لنفسه الطريق بقاعدة عامة يتعامل بها مع كل خطوة يخطوها في مسيرته الجهادية تلك القاعدة التي أوضحها القرآن أتم إيضاح فقال: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) و هما النصر أو الشهادة, وقال الله عز وجل: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بالآخرةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) فميزان الإسلام في تقويم الأمور وقياسها ليس ميزانًا دنيويًا محضًا مبتورًا عن عالم الآخرة, فكفّته التي نزن بها قيمة الأعمال الجهادية جزؤها الأكبر يتصل بعالم الآخرة عالم الأُجور والثواب والمكافأة العظمى من الكريم الوهاب, أما باقي جزء هذه الكفة فهو المرتبط بالدنيا ومصالحها والذي يوضع فيها حلاوة النصر والظفر والتمكين, وعليه فبهذا التصور الصحيح للتعامل مع الربح والخسارة والنصر والهزيمة والتمكين والإخفاق علينا أن ننظر إلى أعمالنا الجهادية, وتأمل معي الحديث الذي يرويه الإمام مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم, وما من غازية أو سرية تُخفِق وتُصاب إلا تم أُجورهم", ولهذا نهى الله عز وجل المؤمنين عن التعامل مع أمور الجهاد بهذه الطريقة ورد على من جعل سبيل التعقل هي طلب السلامة والبعد عن المخاطرات والانطواء على الذات فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .
وكما قال سبحانه: (الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) , ومن هنا فقد شدد الله عز وجل النكير على النفر الذين حاولوا التخلي عن المعركة ووضع السيوف بمجرد إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وهو أعظم مصيبة يمكن أن يبتلى بها المسلمون على الإطلاق إلى يوم القيامة وبيّن لهم أن موت أو قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقدانه لا يعني التراجع ولا يعني الخسارة في ميزان الجهاد ولا يُقبل معه الانقلاب على الأعقاب فقال سبحانه: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) .