فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 967

خذ مثلًا حادثة المسجد الأحمر في إسلام آباد والتي أعتبرها نقلة نوعية في الحياة الجهادية المعاصرة بجميع المقاييس, فلو أردنا أن نضعها في كفة ميزان الربح والخسارة الدنيوي والذي كثيرًا ما يموهه أصحابه بالتعقل والفهم العميق والتعامل مع الواقع بحكمة ورزانة وغير ذلك فإن أصحابه لا شك أنهم سيوصفون بأنهم متهورون طائِشون عديمو الخبرة قد ورطوا أنفسهم في معركة لا قِبل لهم بها فأهلكوا أنفسهم وأدوا إلى تضييع جهود واعدة تصب في مصلحة باكستان وغير ذلك, ولكن لو وضعت هذه الحادثة في الميزان الإسلامي الصحيح الذي يرتبط بعالم الآخرة فإنك ستجد نظيرها قد حصل زمن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قُتِل في بئر معونة سبعون من علماء الصحابة, وتنبه لقولنا من علماء الصحابة يعني بالتعبير العصري المعهود من كوادر الدولة بل من أعلى طبقاتها وهذه لو حصلت في هذا العصر لعُدت نكبة من النكبات ولتغير تجاهها سياسات وحصلت تراجعات ولتوالى النقد اللاذع من هنا وهناك, ولكن انظر ما يقول الصحابة رضي الله عنهم حيث عدوا هذا منقبة من مناقب الأنصار كما قال قتادة:"ما نعلم حيًا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أعز يوم القيامة من الأنصار", وقال أنس:"قُتِل منهم يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون", وأعظم من ذلك نيل رضوان الله عز وجل كما قال أنس رضي الله عنه:"أُنزِل في الذين قُتِلوا ببئر معونة قرآن قرأناه ثم نُسِخ بعد, بلغوا قومنا أنّا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه".

فهذا الجزء الأخروي هو المفقود في معادلة تقويم الربح والخسارة في معركتنا مع أعدائنا وبالطبع هذا لا يعني لا عقلًا ولا شرعًا التهاون في الأخذ بالأسباب ولا التفريط فيما يمكن القيام به منها والاجتهاد في سد الخلل وتكميل النقص والاستفادة من التجارب وتمحيصها ومحاسبة المقصرين في ذلك ولكن هذا شيء وجعل ما يقدمه المجاهدون من التضحيات مهما كانت باهظة عقبات وحواجز نمنع بها مواصلة المسير شيء آخر وعليه فمقتل من قُتِل من قادة المجاهدين الذين كان لهم أعظم الأثر وأبلغه في معركة الإسلام المعاصرة بين حزب الرحمن وحزب الشيطان يُعد جزءًا من التضحيات التي كان أصحابها أحرص الناس عليها وأكثرهم طلبًا لها وإدراكًا لقيمتها, ومقتل هؤلاء القادة الأجلاء وإن كان له بعض التأثيرات السلبية على الجماعات الجهادية, إلا أن جوانبه الإيجابية لا تكاد تقل بل ربما تربوا على هذه السلبيات ومن أعظمها إثبات قوة ولاء أهل هذا الدين لعقيدتهم وشريعتهم وأنهم مستعدون أن يتخلوا في سبيل تحقيقها وإقامتها وتمكينها عن كل شيء حتى ولو كانت نفوسهم وحياتهم.

ومن تلك الجوانب أيضًا البرهان القاطع على أن شريعتنا وجهادنا بالخصوص ليس مرتبطًا بفردٍ من الأفراد مهما علا قدره وظهر أثره بل هو عقيدة باقية وشريعة محفوظة تتقوى وتشتد وتثبت بقدر الدماء التي يبذلها أصحابها من أجلها, ألم يقل القرآن: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وأنا أضرب لك أمثلة على ذلك:

قبل مقتل الشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله وهو أبرز قادة الجهاد الذين فقدتهم الساحة تقريبًا كانت الآلة الإعلامية الأمريكية تُحاول أن تُقنع شعبها البائِس بأن نصرها في العراق سيتحقق بمجرد مقتل أو أسر هذا القائد البطل حتى جُعلت قضية العراق هي قِصة أبي مصعب رحمه الله واعتبروه كخيط المسبحة الذي إن انقطع توالت حباتها في السقوط, ولكن هل كانت أحلام وأوهام إدارة بوش صادقة في ذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت