مؤسسة السحاب:
قال العلامة الشوكاني -رحمه الله- في هذه الآية:
"وهذا شروعٌ في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كُفر، وذلك نوعٌ من أنواع الردة, والمراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه بالإتيان بهم هم أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة، ثمَ كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن، ثمّ وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من كونهم يحبون الله وهو يحبهم, ومن كونهم أذلةٍ على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، أي يُظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدّة والغلظة والترفع على الكافرين, ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الازدراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب، حسدًا وبغضًا وكراهة للحق وأهله".اهـ
الشيخ أبو يحيى الليبي:
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم:"لا تزال عصابةٌ من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعةُ وهم على ذلك", وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يزالُ أهل المغربِ ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة".
ولطالما عصفت بأمة الإسلام موجات محن وفتن، فقيّض الله لها من جنده الصادقين وعباده المخلصين من رسخوا أمامها رسوخَ الجبال الراسيات، وردّوا عواصفها بقوة الصبر والثبات, وبدد الله بهم كيدَ المجرمين, وأبطل بإيمانهم سحرَ المخذولين وجعلهم آية للعالمين، بِهِم يقتدون وبفعالهم يتشبهون وبذكر سِيَرهم وبطولاتهم يحيون, فلله در السابق واللاحق وأنعم بهم من قائد ومقتدي!
وفي هذا العصر الذي جيّش فيه الطغاة جيوشهم شرقًا وغربًا، واستكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًا كبيراَ، وتآزروا وتناصروا وتحالفوا على حربِ الإسلام وأهله وتنادوا فيما بينهم عبرَ إعلامهم ومؤسساتهم وخطبائهم: (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) .
في هذا العصر حيث ذلّ لهم من ذل، وضلّ معهم من ضل، وخضع لهم من خضع، وخنع أمامهم من خنع، انتفض أهل الإسلام وجنود الإيمان في وجه هذا الباطل المنتفش ليبددوا أحلامه بعزيمة الحق, ويمزقوا جيوشه بسيوف الصدق, ويكسروا شوكته بمعول التحدي والإصرار، وقد استرخصوا في سبيل دينهم كل شيء، وقالوا لأهل الباطل المغرورين وحزبهم المخذولين إنا مستيقنون بوعدِ ربنا الذي قال:) إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)، وقال سبحانه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) .