فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 967

فيسَّر الله للمؤمنين منازلة أولئك الكفرة المستكبرين، وأعانهم على مصاولة أجنادهم المتآزرين من اليهود والنصارى والملحدين وأعوانهم المرتدين، فصارت ساحات الجهاد مفتوحةً يتنافس فيها المتنافسون ويتسابق نحوها المتسابقون حتى عمّ الخير بفضل الله ومنته مغرب الأرض ومشرقها وشمالها وجنوبها، فكان من بين تلك الساحات الأبية العصية على الطغاة وأوليائهم أرضٌ ذاقت حلاوة التضحيات عقودًا وعقودا، وامتزج بتربتها دماءٌ زكية روَّت جبالها وهضابها ومدنها وقراها وسهولها وصحاريها، وتُوجت باسمٍ تباهت به بين الدول وأبت أن يُنسى أو يُدنس فأعادت صقله وترصيعه وكررت تجديده وتلميعه، إنها بلد (المليون شهيد) , جزائرُ الخير والعطاء, جزائرُ البذل والفداء, جزائرُ الصبر والإباء, فلله درها ودر شعبها المسلم الذي خاضَ معركةً هي من أشرس وأطول معارك التاريخ (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) .

نعم, لقد أرادت فرنسا النصرانية الحاقدة أن تمسخَ هذا الشعب المسلم عقيدةً وخلقًا، وانتماءً وهوية ليسير في ركب الأنعام كحال شعوبهم البائسة ممن قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) , وأطلقت وحوشها المتحضرة- وعجبًا لوحوشٍ متحضرة! - لتمزق أجساد الضعفاء بكل شناعةٍ وبشاعة، وتسفك الدماء من غير تفريق بين طفل رضيع أو امرأة ضعيفة أو شيخ فانٍ أو عالمٍ موقر، وأحرقت بنيران صليبيتها الحاقدة كل ما كان في طريقها وما سلمَ منها حجرٌ ولا شجرٌ ولا بشر، فنطقَ أهل النفاق ومن في قلوبهم مرض وقال: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا) ، وازدادَ أهل الإيمان رسوخًا ويقينًا وقالوا: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) .

وتخرَّج من أتون هذه المحنة وبرزَ من وسط هذا الإعصار رجالٌ أفذاذ وقادةٌ أبطال وعلماءُ صابرون وبالحق صادعون, عرفتهم الجزائر المجاهدة, بل وعرفتهم الأرضُ كلها ممن رفعوا راية الجهاد والاستشهاد صافيةً نقية وبذلوا كلّ غالٍ ورخيص لحفظِ هوية الجزائر لتكون إسلامية عقيدةً ومنهاجًا وشريعةً وحكمًا وسلوكًا وخلقًا ولغة وانتماءً, وقطع كل أوصال الفَرْنَسَة التي صال العدو وجال ليسبغها عليها ويجريها في عروقها.

نعم, يا شعب الجزائر المسلم, إنّ عهدكَ بالتضحيةِ قريب, وإن كثيرًا من جراحات تلك الحقبة لا تزال تنزف، وهل يمكن لجرحٍ غائر استمرت الدماء تتدفق من أعماقه أكثر من مئة وثلاثين عامًا أن يُنسى أو يُمحى؟ لا والله , إنه جرحٌ تقرحت فيه عيون اليتامى, وتفتت في وسطه أكباد الأرامل, واشتكت من لظاه أوساط الأرض وأطرافها, وزفرَ لشدة وقعه وآلامه الإسلام، ولكن كل ذلك يهون ما دام لله, وفي الله, فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

إلا أن المصيبةَ العظمى التي تفوق تلك المصائب والداهيةَ الكبرى التي تهونُ معها كل النوائب أن لا نصل إلى مقصودنا بعدَ كلّ ما بذلناه, وأن نرى ثمرة تضحياتنا تقطفها نفس الأيدي التي طالما تحملنا كل عناء لاستئصالها، والأمرُّ من ذلك والأدهى أن نرضى بثمارٍ خبيثة تتدلى فوقنا كأنها رؤوس الشياطين ونعيش معها في أوهام الحريةِ والتحرير والاستقلال أكثر من أربعين عامًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت