فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 967

مصدر هذه الأمور سواء كان فردًا أو حزبًا أو برلمانًا أو شعبًا أو قبيلة أو منظمة , وإنما على الجميع أن يكونوا خاضعين لأحكامه مستسلمين لأمره منقادين لأوامره مذعنين لشريعته , ولن يكون المسلم مسلمًا مهما ادعى وزعم ما لم يكن

هذا الأمر قائمًا في نفسه حقيقة لا ادعاء قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} , فإذا قضى الله ورسوله أمرًا فليس لأحد الخِيَرة من أمره وإنما عليه الاستسلام والانقياد كما قال الله عزوجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} , فهذا هو الذي يقوله ويؤكده دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه , أما دين الديمقراطية فهو دين الخِيَرة من الأمر وهو بذلك هادم لقاعدة الاستسلام والانقياد التي يقوم عليها دين الإسلام , ففي النظام الديمقراطي أو بالأصح في الدين الديمقراطي ليس هناك قداسة ولا حرمة ولا هيبة لأي تشريع إلا بعد أن يخرج مصدقًا عليه ومعترفًا به من قبل هيئة البرلمان , فأحكام الله المحكمة وشرائعه القطعية الملزمة التي أنزلت من فوق سبع سماوات والتي يجب أن يقول كل مسلم -إن كان مسلمًا- في حقها سمعنا وأطعنا , كلها عرضة للتعقب والنظر والزيادة والنقص والنقض والإقرار والحذف والإدناء والإقصاء والقبول والرد حسب ما يرى ويهوى أعضاء البرلمان الذين أعطوا هذا الحق كاملًا غير منقوص في الدين الديمقراطي فإن شاؤوا قبلوا وإن شاؤوا ردوا , إن الله قد حرم الخمر مثلًا فلو أن أمم الأرض كلها إنسها وجنها من مشرقها إلى مغربها اجتمعوا لينظروا أيقرون بتحريم الخمر أم لا لكانوا بذلك كفارًا معاندين سواء حرموه أم أحلوه , فكيف والديمقراطية تفتح أبواب التعقب لأحكام الله على مصارعها , حتى أصبح قبول دين الله كاملًا خاضعًا لاختيار الشعب وإرادته ومشيئته , فإن قبله كان دينًا محترمًا وشرعًا مقدسًا وإن رفضه ورده وزهد فيه كان منبوذًا مردودًا لا وزن له ولا قيمة , حتى صرح بعض الإسلاميين الديمقراطيين أن الشعب لو اختار الحكم بالشيوعية الملحدة فإنه سيحترم اختياره! ولو رفض لشعب الدولة الإسلامية فإنه سيقدس رغبته واختياره! فإذا كان القرآن يقول لنا: {وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} , فإن الديمقراطية تقول: لا وألف لا , لا لهذه الآية و مثيلاتها , بل والشعب يحكم لا معقب لحكمه!

وإذا كان القرآن يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} , فإن الديمقراطية تقول بل الخيرة كل الخيرة للشعب , فالحق ما قبله ورضيه والباطل ما رده ورفضه! فمن حقه أن يتخير من الأحكام والشرائع ما شاء!

وإذا كان القرآن يقول: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} , فإن الديمقراطية تقول: بل إنما قولهم إذا دعوا إلى الشعب ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا!

وإذا كان القرآن يقول: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} , فإن الديمقراطية تقول -وتعالى الله عما تقول-: أما السماء فهي لك , وأما الأرض فهي للشعب , فحكمه فيها هو الجاري وشريعته هي الحاكمة ورؤيته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت