فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 967

هي المعقبة! وصدق لله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} , فوالله ما جاوزت الديمقراطية غرز قريش والعرب إذ كانت تلبي وتقول: لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك , تملكه وما ملك.

إن القرآن قد أعلنها حقيقة جلية ومسألة محسومة: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} , ذكر بعض العلماء في سبب نزول هذه الآية أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقضى للمحق على المبطل فقال المقضي عليه: لا أرضى , فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق , فذهبا إليه , فقال الذي قُضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي , فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم , فأبى صاحبه أن يرضى , قال: نأتي عمر ابن الخطاب , فأتياه , فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى , ثم أتينا أبا بكر فقال أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرضى , فسأله عمر فقال: كذلك؟ فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سلّه فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله فأنزل الله: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} , ذكر هذا الإمام ابن كثير في تفسيره.

فإذا كان هذا الحكم الإلهي الصارم في حق رجل واحد أراد أن يتعقب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية واحدة ورجع فيها إلى خيار الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكيف بمن يدعو إلى الدين الديمقراطي الذي يقوم على أساس التعقب لدين الإسلام كله ليرى أيرضاه الشعب أم لا؟!

وكيف بمن يرضى الانقياد لأحكام الله القطعية كتحريم الخمر, والزنا والربا والفواحش إلا بعد أن يعرضها على هيئة التعقب -أعني البرلمان- لينظر أتوافق على تحريمه أم لا؟

ومَن هؤلاء البرلمانيون المتعقبون لأحكام الله؟ أهم أبو بكر وعمر والأخيار الصلحاء؟ حاشا لله أن يرد هؤلاء الهداة التقاة هذا المورد الرديء وإنما هم أرذل الخلق وأجهلهم وأفجرهم وأفسقهم , وأمثلهم طريقة مَن انتمى إلى جماعة إسلامية , و قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} .

ألا فلتسمعوا يا دعاة الديمقراطية أو ديمقراطية الإسلام:

إن الله لا يريد منا الامتناع عن الخمر فحسب , ولا الانكفاف عن الفواحش فقط , ولا الابتعاد عن الربا المهلك للاقتصاد فحسب , وإنما يريد منا مع الامتناع عنها أن نذعن لأحكامها التحريمية لأنها أحكام الله تعالى التي لا تقبل التغيير ولا التحوير وأن نخضع لها خضوع المستسلمين المنقادين المذعنين الراضين , وإلا فوالله لو أن أحكام الإسلام الظاهرة قد طُبِقت بحذافيرها في بلد من البلدان لأن البرلمان هو الذي أقرها وأصبغ عليها صبغة القانون المحترم لا لأنها من عند الله وإنما لخروجها باعترافه وإقراره وتأييده لما كانت تلك هي شريعة الإسلام التي يريدها الله تعالى ولكانت كأي قانون أرضي ساقط تواطأ عليه الناس وتراضوه فيما بينهم , لأنها ما كانت شريعة استسلام وانقياد ورضا وإذعان , فالذي أمر بها وقدّسها وألزمها للناس ليس الله وإنما هو صنم ناطق ووثن معبود اسمه البرلمان , فتبًا له ولشريعته!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت