فهرس الكتاب
ألا فلينتبه الإسلاميون الديمقراطيون إلى هذا المزلق العظيم الذي يوردونه أنفسهم ويسوقون إليه مسلمي بلدانهم زرافات ووحدانًا مضللين لهم وعابثين بحماستهم , وليعلموا أنه مفرق طريق لا مجال معه للتلفيق والتوفيق , ولا سبيل فيه للتمييع والتطويع , فإما إسلام نقي تستسلم فيه القلوب وترضى به الأفئدة تمامًا كما تنقاد له الجوارح وإما ديمقراطية التعقب ودين الخيرة من الأمر وشريعة سيادة الشعب وسبيل عبادة الشيطان , فليعدوا لأنفسهم جوابًا يوم أن يُسألوا: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} .
ثانيًا:
من المعلوم لدى كل مسلم أن أول أركان الإيمان وأعظمها الإيمان بالله عز وجل , الذي يعني الإيمان بوجوده وبألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته , ومما يؤمن به المسلم إيمانًا قاطعًا غير قابل للمناقشة ولا النظر أن حق التحليل والتحريم خاص بالله عز وجل وهو ما يسمى بالتشريع , فليس لأحد أن يحلل شيئًا صغيرًا كان أو كبيرًا ولا أن يحرم شيئًا صغيرًا كان أو كبيرًا إلا بإذن الله , قال الله تعالى:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} , وقال سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} .
إن مجرد إعطاء هذا الحق - الذي هو التشريع - لغير الله تعالى هو كفرٌ أكبر مخرج من الملة , ومن تابع هذا المشرع في تحليله وتحريمه فاعتقد تحليل ما حلله وتحريم ما حرمه فهو مشرك لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يتوب ويرجع إلى التوحيد الخالص , ولا فرق بين أن تكون تلك الجهة التي اُعطيت حق التشريع فردًا أو حزبًا أو قبيلة أو برلمانًا أو شعبًا أو الأرض كلها.
هكذا يقرر الإسلام هذه الحقيقة بحيث لا تقبل التشكيك ولا ترضى بالمساومة ولا التردد , فهذا الكون كله خلق وملك لله تعالى , وهو رب العالمين فليس لأحد أن يحلل شيئًا فيه ولا أن يحرم شيئًا فيه إلا ربه وخالقه ومالكه {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
فإذا كان هذا أمرًا مسلّمًا في دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا سواه , فإن الديمقراطية تقوم على أساس مناقض لهذا الأصل مناقضة تامة , فهي باختصار تسلب هذا الحق من الله تعالى وتقدمه بكل تقديس وتبجيل واحترام للشعب ومن ثم لمن ينوبون عنه وهم أعضاء البرلمان , فحق التحليل والتحريم في النظام الديمقراطي ليس لله أو هو ليس لله وحده وإنما للشعب الذي يقوم بتقديم هذا الحق لنوابه في البرلمان , فتكون النتيجة إذًا أن الحلال ما أحلوه والحرام ما حرّموه والحسن ما استحسنوه والقبيح ما استقبحوه والقانون ما ارتضوه والشرع ما قرروه! فلا عبرة بدين ولا شرع ولا قانون إلا أن يكون صادرًا من البرلمان , وهذه ردة سافرة , والأمة متفقة على أن الإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا ,