فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 967

ولهذا فإني أرى أن أصدق وصف يمكن أن يطلق على البرلمان هو مجلس الأرباب وليس مجلس النواب , فهذا هو استعمال القرآن كما جاء في الصورة المطابقة لمجالس البرلمانات , قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

ويا عجبًا كيف يفعل الضلال بأهله! فإذا كان الأحبار الذين هم علماؤهم , والرهبان الذين هم عُبّادهم أربابًا لمن يتبعهم في تحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال مع أنهم يتكلمون باسم الله ويصدرون أحكامهم التشريعية تحت لافتة الدين , ويزعمون أن هذا هو ما يحبه الله ويرضاه , فكيف بمجالس أرباب العصر البرلمانات التي يغلب عليها العلمانيون والشيوعيون والملاحدة والزنادقة والفسقة والفجرة الذين يصرحون بعداوة الدين ويجاهرون ببراءتهم من شريعة الإسلام فضلًا عن أن يتكلموا باسمه كما يفعل أحبار ورهبان بني إسرائيل.

إن ما يقوم به هؤلاء الأحبار والرهبان هو عين المهمة التي يمارسها البرلمانيون اليوم وهي التحليل والتحريم لمن انتخبهم وأنابهم لتكون تشريعاتهم بذلك سارية عليه ملزمة له معاقبًا على مخالفتها ومحترمًا باحترامها والتزامها وهو بذلك قد اتخذهم أربابًا.

والفرق بين برلمان الأحبار والرهبان وبين برلمان أرباب العصر أن أولئك كانوا يحللون ويحرمون باسم الله والدين تبعًا لمهمتهم كعلماء وعُبّاد , وأما أرباب العصر فإنهم يحللون ويحرمون من غير تقديس لشرع , ولا احترام لدين , ولا اعتبار لحكم , وإنما هو النظر المجرّد والهوى الأخرق والجهل المطبق والمخالفة المتعمدة لشرع الله والمصادمة المقصودة لدينه , فأي الفريقين أحق بالذم والجرم إن كنتم تعقلون؟

عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} , قال: قلت يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابًا , قال:"بلى , أليس يحلون لكم ما حُرِّم عليكم فتُحِلونه و يحرِّمون ما أحل الله لكم فتُحرِّمونه؟", فقلت: بلى , فقال:"تلك عبادتهم".

إن أولئك الأحبار والرهبان ربما لم يعطوا أنفسهم حق التشريع كصفة دائمة محترمة في حقهم وإنما مارسوه عمليًا في بعض مسائلهم , أما برلمانات اليوم فهي تنص صراحة وبكل جرأة ووقاحة على أن حق التشريع راجع إليها ومختص بأصحابها وداخلًا دخولًا أوليًا في مهامهم , بمعنى أن المرء بمجرد دخوله قبة البرلمان فقد تلبّس بهذه الصفة وأُعطي هذا الحق وصار في عرف الديمقراطية ربًا مقدس الرأي محترم الفكر محمي الجناب فيما يقدمه من تشريعات ونظم فليقترح ما شاء وليقدم ما يرى ويهوى , فما دام تحت قبة البرلمان فإنه لا يُسأل عما يفعل , وهذا هو الكفر البواح والشرك الصراح سواء شرّع أم لم يشرِّع , فممارسة التشريع شرك , وإعطاء هذا الحق لأي أحد سوى الله سبحانه يُعد شركًا آخر حتى ولو لم يمارسه عمليًا وهو شرك في الربوبية وكل امرئ حسيب نفسه , قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} , وقال سبحانه: {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .

فأجيبوا يا دعاة ديمقراطية الإسلام مَن الذي أعطاكم هذا الحق؟ وكيف يجتمع ما تدعون إليه مع دين التوحيد الذي يقول الحلال ما أحله الله لا ما أحله البرلمان , والحرام ما حرّمه الله لا ما حرّمه البرلمان , والدين ما شرعه الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت