المنطلق وإلا فنحن نحفظ من نسب إليهم التراجع سابقتهم وجهادهم ومكانتهم وقدرهم، ونقدر أيضًا ظروف الكثيرين منهم بما صدر أو قد يصدر عنهم من أفكار طارئة ترشحت من ظلمات الزنازين وتحت سياط الجلادين وسياسة القهر والإكراه. ولعلك توافقني أن أفكارًا صدرت في ظروف كهذه لا يمكن أن تعطي القناعة الحقيقية لصاحبها.
مراسل مؤسسة السحاب:
و كيف ترون الطريقة الصحيحة في التعامل مع هذه القضية؟
الشيخ أبو يحيى الليبي:
يمكن أن ألخص لك الطريقة الصحيحة حسب نظري في التعامل مع هذه القضية الخطرة في نقاط:
الأولى:
أن الظروف التي يعيشها هؤلاء الإخوة الأسرى الذين ينسب إليهم التراجع هي ظروف إكراه وقهر وانتزاع للأقوال بالإرغام والجبر والضغط على هؤلاء الأسرى وابتزازهم بوسائل قذرة لتأصيل أفكار ومناهج يدرك كل من له أدنى فهم أنها أبعد ما تكون صلة بالدليل الشرعي والتأصيل العلمي.
ولهذا فالإنصاف يوجب علينا التوقف في اعتبار هذه الأفكار والمناهج الجديدة المطروحة مطابقة لقناعات أصحابها حتى يتكلموا بها ويتبنوها وهم في كامل حريتهم وتمام اختيارهم, فإذا كان الشرع قد جوّز للمسلم أن يتكلم بكلمة الكفر وهي أعظم ما يمكن قوله في حالة الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان فكيف بما دونه, فقد قال الله عز وجل: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
الثانية:
للذين يريدون أن يجعلوا قضية التراجعات عنوانًا بارزًا قد خطّ عليه (هاهم إخوانكم فكونوا مثلهم) , نقول لهؤلاء: يجب التفريق بين الاستفادة من التجارب واستخلاص الدروس منها وبين الاعتبار بأحداثها و بين جعل تلك التجارب حكمًا عدلًا و قولًا فصلًا عند موارد النزاع و مواطن الاختلاف, فالحكم و الفصل و رفع الخلاف إنما هو لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وبهما فقط توزن أقوال العباد وأعمالهم ويرفع نزاعهم قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) .