فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 967

فمن هنا فليس صحيحًا بأي وجه من الوجوه أن نجعل تراجعات المتراجعين وتجارب المجربين مهما كانت مرتبتهم أن نجعلها حجة شرعية نرجع إليها عند الخلاف, فلا يأتي أحدٌ ويقول لنا أنتم مازلتم مصرين على طريقتكم ومنهجكم ومستمسكين بأفكاركم وقد تراجع عنها فلان وفلان وهو من هو في العلم والسابقة! فنقول نعم، هم من أهل العلم والسابقة ولكن هذا لا يضفي على أقوالهم قدسيةً تجعلها مسلمةً لا مجال فيها للنقد والاعتراض فالواجب علينا شرعًا و ديانةً أن نقيس أقوال كل متراجع بالميزان الشرعي الدقيق الذي لا يظلم فتيلًا, وأن نضع تلك الأفكار الطارئة على محك الأدلة لنرى مدى قربها أو بعدها عن الحق وحينها فقط نحكم بتخطئته أو تصويب أي فكرة تصدر من هنا أو هناك , أما القبول المطلق والتسليم الكامل والتحاكم العشوائي للتجارب والمراجعات من غير عرضٍ لها على كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا مدحضةٌ ومزلّةٌ لا يسلم معها دين المرء, ولا يمكن أن يكون سبيل من طلب الحق وتوخى معرفته وأتباعه.

الثالثة:

نسأل الله أن يثبتنا على الحق ويثبت إخواننا المسلمين داخل السجون و خارجها , فحتى لو كانت تلك التراجعات التي كانت تنسب إلى البعض صدرت عنهم بمحظ اختيارهم و كامل قناعتهم فأسباب التراجع ليست محصورة دائمًا في الانتقال من الخطأ الصريح إلى الحق الصريح, حتى يُجعل كل متراجع قدوة لمن وراءه فهناك أيضًا تقلب القلوب وتنكرها للهدى, ألسنا نقرأ في كتاب الله عز وجلّ دعاء أهل الخوف و الوجل و الإشفاق: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) , و كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك", فقيل له في ذلك , قال:"إنه ليس آدمي إلا و قلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام و من شاء أزاغ".

و يُروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة", نسأل الله أن يعافينا و إخواننا المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

مراسل مؤسسة السحاب:

أشرتم سابقًا إلى أن قضية التراجعات هي جزء من منظومة حرب الأفكار التي تشن ضد المجاهدين فهل يمكن أن تبينوا لنا أهم محاور هذه الحرب و بعض الوسائل المستخدمة فيها؟

الشيخ أبو يحيى الليبي:

أدرك الصليبيون و على رأسهم أمريكا ومِن ورائها أذنابها بالطبع أن الجهاد ليس كما كانوا يتصورونه هو مجرد عمليات عسكرية عابرة لا تعدوا دوافعها أن تكون ردات فعل للواقع المرير الذي يشعر به المجاهدون تجاه أمتهم, و لا هو فقط محاولة لرفع معاناة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية بحيث يمكن امتصاص ذلك الفوران ببعض الترقيعات الإصلاحية لتخدير الأمة ومن ثم العودة لإجراء العمليات الجراحية التي يتم بها تقطيع أوصالها من غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت