عند أول عقبة، ويساومون عليه عند أول إغراء، وقد يتخلون عنه عند أول محنة، لأنهم لم يذوقوا شيئا من مرارة إقامته، ومكابدة ألوان معاناته، وبالتالي لم يشعروا بأية مسؤولية حقيقية تجاهه، بل هو عندهم كما يقولون (ورقة ضغط) تستخدم عند الحاجة، وتلقى مع أول مغنم يتوهمونه، فما أيسر أن يتخلوا عنه.
وعليه فلا بد أن يكون شأن إدارة الجهاد، وقراراته المصيرية الكبيرة، بأيدي رجال صادقين حنكتهم تجاربه، وصقلتهم ساحاته، وعرفوا بين إخوانهم بثابتهم وحسن بلائهم، ورسوخ مفاهيمه في قلوبهم، الذين يعيشون أحداثه لحظة لحظة، لا عبر المؤتمرات والندوات واللقاءات وإنما بعرقهم ودمائهم وجهودهم وعيشهم بين إخوانهم.
ولسنا نعني بهذا الكلام إهمال أصحاب الخبرات، ولا النكول عن استشارة أهل العلم والرأي، ولا إقصاء أصحاب التجارب والقِدَم، مهما أمكن الإفادة منهم، من داخل الصومال أو خارجها، ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يكون مصير الجهاد، إلا بأيدي أصحابه الذين يباشرونه قولًا وعملًا، ممن يقدرون تضحيات أهله لأنهم من أصحابها، ولا يرضون عليها أدنى مساومة ولا تنازل تحت أي غطاء كان وفي أي ظرف من الظروف.
رابعها: إن خروج القوات الأثيوبية المحتلة، وإحلال أية قوة بدلها، سواء كانت تابعة للاتحاد الأفريقي، أو الأمم المتحدة، أو غيرها من المنظمات الإقليمية والدولية، وتحت أي اسم كان، كقوات إحلال السلام، لا يغير من حقيقة الأمر ولا حكمه شيئًا، فهو لا يخرج عن التوصيف الشرعي الذي يذكره الفقهاء بقولهم [إذا داهم العدو أرضا من أراضي المسلمين صار الجهاد فرضا على أهلها] ، فلا تنظروا إلى أية قوة كانت إلا بهذا المنظار الشرعي الدقيق.
فكل هذه المؤامرات والأسماء والشعارات ما هي في حقيقتها إلا إحلال احتلال محل احتلال، وإنما وضع تحت مظلةِ تلك المنظمات المعروفة لتمريره وتسويغه، فهو انتقال من مرحلة الاحتلال السافر إلى الاحتلال المقنن، وما أكثره في بلاد المسلمين اليوم.
ونحن كمسلين أولًا وكمجاهدين ثانيًا لا نعترف بشرعية هذه المنظمات مهما عُظِّمت عند أهلها، ومهما أسبغ عليها من الألقاب، وأغدق لإشهارها وتقويتها من الأموال، فإنها لا تخرج عن كونها منظمات كافرةً محاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، فدينها غير ديننا، وشرعيتها من غير شريعتنا، وأهدافها التي أنشأت لأجلها تنسف أهدافنا، ورؤساؤها أئمة في الكفر، وعلى رأس هذه المنظمات الأمم المتحدة.
فكيف نصدق أن هؤلاء يحرصون على مصلحتنا، ويبحثون عن أمننا، ويجتهدون لأجل سلامنا وسلامتنا؟
أفنصدقهم ونصدق إعلامهم ومزاعمهم ونكذب كتاب ربنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إذ يقول لنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران118]