فهرس الكتاب
وإن الصحابة رضوان الله عليهم، قد قاتلوا مانعي الزكاة، فقط لأنهم امتنعوا من أدائها، مع أنهم كانوا يصلون ويصومون ويحجون وينطقون بالشهادتين، ويقرون بخلافة أبي بكر، فأيهم أولى وأحق بالقتال والحكم بالكفر، أهؤلاء - أعني مانعي الزكاة- أم هذا الجيش المجرم وحكومته المرتدة الذين رفضوا شرع الله رفضًا باتًا وقاتلوا أهل الإيمان وأطاعوا أولياء الشيطان كل ذلك حتى لا يقام حكم الرحيم الرحمن، قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65)
قالَ العلامةُ أَبُو بَكْرٍ الجَصَّاصِ الحنفي -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-:[وَقَد كان أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ لِمُوافَقَةٍ مِنَ الصحابةِ إِيّاهُ على شَيْئَيْنِ أَحَدُهُما الكُفرُ والآخرُ مَنْعُ الزكاة، وذلك لأَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِن قُبُولِ فَرضِ الزكاةِ ومِن أدائِها فَانتَظَمُوا بِهِ مَعنَيَيْن:
أَحَدُهُما: الامتناعُ مِن قُبُولِ أَمرِ اللهِ تعالى وذلك كُفُر، والآخرُ: الامتناعُ مِن أداءِ الصدقاتِ المفروضةِ في أموالِهِم إِلى الإِمَام، فكانَ قِتَالُهُ إِيَّاهُم للأَمرَينِ جميعًا؛ ولِذلِكَ قَالَ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا وفي بعضِ الأخبارِ عَنَاقًا مِمَّا كانوا يُؤَدُّونَهُ إِلى رسولِ اللهِ صلى اللهِ عليهِ وسلم - لَقَاتَلْتُهُم عليهِ فإِنَّما قُلنَا إِنَّهُم كانوا كُفَّارًا مُمْتَنِعِينَ مِن قَبُولِ فرضِ الزكاةِ لأَنَّ الصحابةَ سَمَّوْهُم أَهلَ الرِّدَّةِ وهذِهِ السِّمَةُ لاَزِمَةٌ لهَم إلى يومِنا هذا] (أحكام القرآن للجصاص: 2 193) .
إن ما حصل ويحصل في سوات ووزيرستان وغيرها لهو درسٌ كاف وعبرة تامة لأولئك الذين أفنوا أعمارهم وأسسوا جماعاتهم على ما يسمونه (المطالبة السلمية لتطبيق الدستور الباكستاني) الذي يزعمون إسلاميته، حيث كشفت هذه الأحداث أن هذا الجيش العميل ما أسس أصلًا إلا ليحول بين المسلمين وبين تطبيق شريعة ربهم، وما تدرب وتجهز إلا ليكون وفيًا لأوليائه وسادته الذين كونوه وقاموا عليه من الإنجليز وغيرهم، وأن إبادة جميع المسلمين في باكستان أهون عنده وعند قادته من تطبيق حكمٍ واحد من أحكام الله تعالى، والواقع والوقائع المتجددة والمتكررة لهي خير شاهدٍ على ذلك، فإذًا لا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح. ولا بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة. . وإلا كان الأمر انتحارًا. أو كان هزلًا لا يليق بالمؤمنين!
إن تلك المطالبة السلمية المزعومة ما هي إلا خديعة لبس بها الشيطان على كثير من الناس، فقضوا أعمارهم، وهم يركضون وراء أوهامٍ وخيالات لا حقيقة لها، ولم ولن يستطيعوا أن يطبقوا حكمًا شرعيًا واحدًا من أحكام دين الله تعالى، ولو أنهم أخذوا للحرب عدتها، وللمعركة أهبتها، ووفقوا للوقوف على الحقائق دون الأوهام، وعرفوا طبيعة الدين وطبيعة أعدائه أيضًا لما سلكوا طريقًا أول من يستفيد منه هم أعداؤهم الذين جعلوهم مطية لتخدير الشعوب، وقتل الحماسة الحقة في قلوب الغيورين على حرمات الشرع المنتهكة، واستغلوا مشاركاتهم في مجالسهم الشركية لإسباغ الشرعية على هذه الدولة المارقة ونظامها الطاغوتي وحكمها الجاهلي: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا - وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا - وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} (النساء:66 - 68)
بل إننا نرى هذه الدولة تزداد يومًا بعد يوم بعدا عن الإسلام وتمردًا على الله عز وجل بسياساتها وقوانينها وإعلامها وموالاتها للكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم، ولم يستطع أولئك السلميون أن يكفوها عن شرٍ وكفرٍ