فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 967

مراسل مؤسسة السحاب:

معذرة على المقاطعة, ألا يُعد الجهاد وسيلة وليس غاية؟

الشيخ أبو يحيى الليبي:

هذا الكلام صحيح إذا فُهِم فهمًا صحيحًا, ولكن كثيرًا ممن يكرر هذه العبارة يخطيء في إدراك مضمونها وربما يتعمد ذلك, فالجهاد يُعد وسيلة إلى أعظم غاية وأجل مقصود ألا وهي توحيد الله عز وجل وتحقيق عبوديته في الأرض التي لن تحصل حصولًا كاملًا شاملًا إلا بالجهاد, وشرف الوسيلة بشرف الغاية, قال الله عز وجل: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) أي إن لم تقاتِلوهم فستكون فتنة والفتنة هي الكفر والشرك كما قال المُفسِرون, وفي الحديث المُتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أُمِرتُ أن أُقاتِل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"... إلى آخر الحديث, والجهاد وسيلة أيضًا لإنقاذ المستضعفين ورفع الظلم والقهر والكف عنهم كما قال الله عز وجل: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) , إلا أن الجهاد مع كونه وسيلة يُتوصل بها إلى هذه الغايات النبيلة وغيرها قد جعله الله تعالى غاية في ذاته بالنظر إليه من جهة أخرى يُمحّص بها أهل الإيمان ويتميز الخبيث من الطيب وترتفع به درجات أهل الصدق والإخلاص وتتفتح أنوار الهداية وسُبل التوفيق للمؤمن في أمور دينه, وقد قال الله عز وجل: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) , وقال سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) , وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) , وبما أن إقامة الدين والتمكين للشرع وكشف الذل والهوان الذي يعيشه المسلمون لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُرفع ويُزال بغير الجهاد في سبيل الله وهو الطريق الوحيد لإدراك هذه الغايات فما هي الفائِدة إذًا من الدندنة المستمرة حول جعل الجهاد وسيلة وليس غاية مع استخدام معنى خاطئ للوسيلة في هذا الموطن, قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما ترك قومٌ الجهاد إلا عمّهم الله بالعذاب", وقال صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق".

إن الفقهاء رحمهم الله حينما قسموا العبادات إلى مقصودة بذاتها ومقصودة لغيرها لم يدر في خلدهم أو يخطر ببالهم شيء من معنى الوسيلة التي يذهب إليها كثير من المعاصرين والذين جعلوا هذه العبارة مُتكأ لهم لترك الجهاد والتنصل من أعبائه والبحث عن بدائِل أخرى يزعمون أنهم سيصلون بها إلى نفس الغاية التي يؤدي لها الجهاد, وللأسف فياليتهم صانوا تلك الغاية من التدنيس وشغب العقول والأهواء ولكنهم أفسدوا الغاية كما حرّفوا الوسيلة وفرّطوا في المقصود مثل ما استهانوا بما يؤدي إليه وما ذلك إلا لتجريدهم الجهاد من معناه التعبدي وقطعه عن عالم الآخرة, والحقيقة أنه ما من عبادة من العبادات إلا وهي مقصودة لذاتها من وجه ووسيلة من وجه آخر, فالصلاة مثلًا هي وسيلة للنهي عن الفحشاء والمنكر كما قال سبحانه وتعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) فلا يقول قائِل إني قد تحصلت على بُغيتي في الانتهاء من الفحشاء والمنكر من غير طريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت