فنحاول إن شاء الله أن نمرّ على ما بقي من آيات سورة الحجرات وكنا قد وقفنا عند قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قلنا إن هذه الآية قد نهت عن ثلاثة أمور وأوجبت على المسلمين أن يتقوها وأن يجتنبوها:
أولها سوء الظن بالمسلمين, فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أكذبُ الحديث", والثاني هو التجسس ومعناهُ البحث والتحسس لمحاولة الإطلاع على عورات المسلمين، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرناه بالأمس:"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المؤمنين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عوراتهم يفضحه الله ولو في عقرِ داره"أي ولو في قعر داره, فالمسلم إذن مطالب بأن يستر على أخيه المسلم لا أن يفضحهُ وأن يُشهِّر بهِ ويذكر معايبه في المجالس وينشرها بين الناس وربما يفرحُ بما يكتشفه من ماذا؟ من الأخطاء والعيوب والزلات و الهفوات التي يقع فيها المسلم، فهذا أخوك سِترك له هو سترٌ لك أنت وكما ذكرنا في الآية السابقة التي قبل هذه قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} .
والأمر الثالث الذي نهت عنه هذه الآية هو الغيبة، وقلنا إن الغيبة داءٌ عضال إذا انتشر في المجتمعات فإنه يفرق ويقطع أواصرها ومابينها من الروابط وتورث الشحناء والبغضاء والعداوة، وتجعل الإنسان أو تجعل المسلم يكيد لأخيه المسلم، ويحاول أن يوقعه في ماذا؟ أن يوقعه فيما يكرههُ فلهذا نهى الله سبحانه وتعالى عنها أشد النهي، ونهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم أشد النهي وورد في ذلك أحاديث متعددة لا مجال لذكرها والمرور عليها.
وكلنا نعلم الأحاديث التي كقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجةِ الوداع:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم كحرمة يومك هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"، فالنبي صلى الله عليه وسلم سوّى في الحرمة بين هذه الأمور، الدماء يعني فلا تسفكوها بغير حقٍ والأموال فلا تأخذوها بغير حقٍ والأعراض فلا تنتهكوها، ولذلك كما ذكر شيخ الإسلام وغيره، تجد الإنسان يتورع كثيرًا عن سفك دم أخيه المسلم ويتورع عن أخذ مال أخيه المسلم بغير حق ولكنه لا يتورع عن ماذا؟ عن تقطيع عرض أخيه المسلم، يعني تجدهُ في المجالس يخوض في عرض هذا ويخوض في عرض هذا ويذكر معايب هذا ويذكر أخطاء هذا وهو لا يدري بذلك أنه قد ارتكب محرما لا يكاد يقل في حرمته عن سفك دم المسلم، واضح يا إخوة؟
بل كثير من الناس يرضى أن تقتلهُ ولا يرضى أن تتكلم في عرضه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم".
وذكرنا بالأمس بعض الصور التي استثناها العلماء وجازَ فيها غيبة المسلم وقلنا ضابطُ ذلك أن يكون هناك مصلحةٌ شرعية تدعو إلى ذكر هذا العيب وأن لا يمكن التوصل لهذه المصلحة إلا عبر ماذا؟ إلا عبر الغيبة، فإذا وجد هذان الشرطان فإنها تجوزُ، بل ربما تجبُ إذا ترتب عليها دفعُ ضررٍ محققٍ في حق المسلمِ.
ثمَّ قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في آخر الآية: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} فأمر أولا بتقوى الله عز وجل وقد مرَّ معنا هذا الأمر مكررًا في هذه السورة وفي غيرها من