فهرس الكتاب
وهذا الخطاب {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} هو من المعهود في السور المكية وليست في السور المدنية، السور المكية هي التي تجد فيها {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} لأن الخطاب كان عامًا ولم يكن للمسلمين مجتمع خاص بهم يفردنا به عن الكفار {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} إلى غير ذلك.
فقال الله عز وجل هنا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} وهما آدم وحواء، يعني كلكم يرجع أصلكم إلى من؟ إلى آدم وحواء فالنسب الطيني لا تفاوت فيه، النسب الطيني من حيث أصل الخلقة هذا لا تفاوت فيه بين الناس كلهم فيه سواء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"كلكم لآدم"فقال الله عز وجل هنا {يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى فرق العباد وجعلهم شعوبا وهم أعم من القبائل والقبائل هم جزء من ماذا؟ من الشعوب يعني الشعوب تتركب من القبائل وهكذا هي ست مراتب يذكرها العلماء.
فقال الله عز وجل وبين لنا ما هي الحكمة من جعل الناس شعوبا وقبائل قال {لِتَعَارَفُوا} يعني ليقع التعارف فيما بينكم فينتسب هذا إلى هذه القبيلة وينتسب هذا إلى هذه القبيلة أو إلى هذا الشعب، إذن هنا كون الإنسان ينتمي إلى شعبٍ من الشعوب أو إلى قبيلة من القبائل هذا بمجرده لا يدل على التفاضل والحكمة فيه فقط ليقع التعارف بين الناس {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} .
ثم بين الله سبحانه وتعالى الميزان الحقيقي الذي على الناس أن يتنافسوا فيه وهو الذي تكون به درجاتهم ومنزلتهم عند الله سبحانه وتعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ليس صاحب المال ولا صاحب الجاه ولا صاحب السلطان ولا صاحب الحكم ولا صاحب الجمال ولكن الكريم عند الله سبحانه وتعالى هو التقي، وهذا باب يستطيع كل إنسان أن يجتهد فيه هذه المراتب يستطيع كل واحد من الناس أن يبذل جهده ليكون تقيا لله عز وجل، فالأعمال أمامك والقدرة عندك والله سبحانه وتعالى موجود لتستعين به في ماذا؟ في أداء الطاعات واجتناب المحرمات فما الذي يمنعك من تقوى الله سبحانه وتعالى لتكون من الأكرمين؟ وتكون بعد ذلك من المقدمين فقال الله عز وجل {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وجاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم سأله الصحابة قالوا من أكرم الناس؟ قال:"أتقاهم لله"أتقاهم لله سبحانه وتعالى والتقوى تشتمل ماذا؟ تشتمل القيام بالطاعات واجتناب المحرمات وعندما نقول أداء الواجبات والطاعات فهذا باب واسعٌ عظيم فيه يتنافس المتنافسون سواء كان من الفرائض العينية أو الواجبات الكفائية أو المستحبات أو ترك المشتبهات والمكروهات وكذلك اجتناب المحرمات.
إذن هذه هي الحقيقة التي يتفاوت بها الناس، أما من أراد أن يفاضل بين الناس بالقومية أو بالشعوبية أو بالمال أو بالجاه أو بالقوة أو بالعقل أو بغير ذلك هذه كلها لا ميزان ولا قيمة لها عند الله سبحانه وتعالى"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، لا فضل لعربي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} ولهذا فالذين ـ هذا المعنى دائما نكرره ـ الذين يريدون أن يغرسوا في قلوب شعوبهم سواء كانت الشعوب العربية أو غيرها الذين يردون أن يغرسوا فيها الترفع على بقية الشعوب بمجرد الانتماء لهذا الشعب أو