والجهاد كغيره من العِبادات متوقف على الاستطاعة والوسع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها وإنما كان حديثي منصبًا على طبيعة العلاقة التي يقوم عليها الإسلام بين أهله المنتمين إليه وبين من هم سواهم من الأديان الأخرى, هذه العلاقة التي كلما كانت على الأساس العقدي الصحيح الواضح انضبطت المسيرة الجهادية وسلِمت من منهج التمييع والتطويع الذي صار له دعاته ومُفكروه ومنظِّرُوه, نعم ما نعتقده أن جميع الأرض لا بد أن تكون تحت حكم الإسلام لا يخرج عن ذلك ذرة واحدة منها لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد أُرسِل للناس كافة لا يُستثنى منهم أحد ولكن هذا لا يعني أبدًا أننا سنقاتل جميع شعوب الأرض دفعة واحدة لنُخضعها للشريعة الإسلامية فالإسلام لم يأمرنا بذلك وإنما أمرنا بأن نقاتِل الأدنى فالأدنى ممن أبى أن يخضع للحكم الإسلامي ونشرع مع الأقرب فالأقرب وهكذا حتى تتسع الدائرة حتى يُذعِن الجميع لحكم الله, ونحن الآن في أول الخطوات ومبدأ الطريق حيث نسعى لاسترداد أراضينا التي استولى عليها الكفرة من اليهود والنصارى وأنصارهم المرتدين من الحكام الخونة, وهذا هو المتعين على المسلمين الآن ليجدوا لأنفسهم موطئ قدمٍ يقيمون فيه دولتهم التي تحكمهم بالإسلام ويتفيؤون بِظِلاله ويتنعمون بعدله.
مراسل مؤسسة السحاب:
على ذِكركم لقضية الأولويات في القِتال هناك من يطرح مسألة البدء بقِتال الحكومات المرتدة باعتبارها العدو الأقرب للمسلمين في مقابل الأمريكان والأحلاف الكافرة الأخرى.
الشيخ أبو يحيى الليبي:
لا شك أن الحكم المتقرر الأصلي الذي نصت عليه الآية الكريمة والذي دلت عليه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجرى عليها أصحابه من بعده هو البدء في القِتال بالأقرب فالأقرب كما قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ) وهذا في حال استواء الحال وانتظامه أي عندما تسير الأمور سيرًا طبيعيًا بحيث ينتقل المجاهدون في فُتوحاتهم من الأدنى إلى من يليه فهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الجهاد لا تمنعه الحدود ولا يتوقف على صورة الدفع فقط كما يحاول أن يقرر ذلك كثير من المنهزمين العصريين وعلى كل حال فالفقهاء الذين تكلموا في هذه المسألة وبينوا حكمها قد نصوا على أن هناك حالات متعددة يترجح فيها البدء في قتال العدو الأبعد ويُقدم على من دونه, من تلك الحالات إذا كان العدو الأبعد أشد ضررًا وأكثر خطرًا على المسلمين ودينهم وتقدير هذا يرجع إلى قادة المجاهدين الذين يقررون بعد تشاورهم ونظرهم من من الأعداء أولى أن يبدؤوا به لأي اعتبار من الاعتبارات الشرعية المعتمدة فالقضية ليست مسألة نصية قطعية غير قابلة للاجتهاد والبحث والترجيح بحسب الواقع والحاجة والقدرة والمصلحة وإنما أفسح فيها الشرع المجال واعتبر فيها المصلحة والتقدير ثم إن القرب والبعد المكاني في عصرنا الحاضر لم يعد له ذلك الاعتبار الكبير إذا نظرنا إلى الواقع, لأن أنواع الأسلحة المستخدمة من طائرات وصواريخ وغيرها قد اخترقت الحدود وتجاوزت السدود وصارت تعبر القارات والمحيطات وتستهدف المسلمين وهم وسط بيوتهم وبين أهليهم والعلاقات التي تربط الدول الكافرة الكبرى بالدويلات الصغيرة وحكوماتها المرتدة علاقات متداخلة وثيقة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية