باعوا نفوسهم من ربهم فجُزوا *** خُلد الثناء وخُلد الفوز أثمانا
فأشرقت سُبُل الدنيا بهديهمُ *** والأرض قد شرِقت كفرًا وأوثانا
فهم بحق طِرازٌ من الناس فريد, قد فاضت قلوبهم من معاني الإيمان العميقة التي يغرسها فيهم القرآن فتزكو نفوسهم وتنشرح صدورهم وتسمو أخلاقهم وتهون عليهم كل دنياهم فيبذلونها وينبذونها في سبيل صلاح دينهم ونيل الفوز في أخراهم, ومن هنا فقد كانوا أشبه الناس بأسلافهم الذين أقاموا عمود الدين بزهدهم ويقينهم وحطموا صروح الكفر بصبرهم وإخلاصهم وزلزلوا أركان دوله بجهادهم وتضحياتهم, وحرّروا العِباد من رِق العبوديات الزائفة بدعوتهم وقوتهم فيكاد يصدُق في كل واحدٍ منهم قول الشاعر:
يُمثِّلُ من هدي الصحابة صورةً *** ويا حبذا هدي الصحابة مغنما
كما تعكس المرآة وجهًا أمامها *** ويحكي الصدى الصوت الفخيم المُرخّما
وإنّ معركةً شريفةً كهذه لحريّةٌ بأن تُراق فيها أزكى الدماء وأطهرها وتُباع في سوقها المُهج والنفوس ابتغاء مرضاة الله, ويتسابق إلى ساحها أصحاب الهِمم العالية والأهداف النبيلة, ويكون وقودها القادة والجُند على حدٍّ سواء, قال تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) .
إنها معركة الإسلام في هذا العصر, إنها معركةٌ بين عِباد الرحمن وعُبّاد الصلبان, معركةٌ بين من يعبدون الله لا يشركون بها شيئًا وبين من جعلوا له الصاحبة والولد, معركةٌ بين من يرجو رحمة ربه بإيمانه وهجرته وجهاده وبين من لا يرجون لله وقارًا, معركةٌ بين من لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا وبين أتباع الأهواء والشهوات الذين أفسدوا البِلاد والعِباد, معركةٌ بين أهل الرشد والاستقامة والجِد وبين أهل السفه والعِوج واللعب, معركةٌ بين خصمين اختصموا في ربهم (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ*يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ*وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ*كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ*إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) .
معركةٌ بين من يريد أن يعلو الإسلام وينقمع اللئام وتُستأصل الأصنام وبين من ينادون عبر وسائل إعلامهم:"أعلُ هُبل, أُعلُ هُبل"ويصيحون من خلال منظماتهم:"لنا العُزّى ولا عُزّى لكم".