فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 967

يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).

فمن تونس الخضراء كانت الشرارة ومبدأ الانطلاقة, حيث مارس فيها ذلك النظام الفظ العاتي أشنع ما يمكن أن يتصوّره أحد من المجاهرة في محاربة الخالق, والاستهتار بالخلق واحتقارهم, وكبت وكتم أنفاسهم وحرمانهم من أدنى حقوقهم, وابتكار أخس الأساليب لإذلالهم, ولم يزل ذلك النظام على حاله من الانتفاش والاستعلاء والشعور بالاستقرار والزهو وهو في غيِّه وسكرته, ومالك الملك يملي له ويستدرجه, وقد تعلّق بدول الصليب المنافقة التي تُمِدّهُ في غيِّه مدًّا, وتكيل له أنواع المدائح والإطراء, وتعدّه معجزةً مبهرة في نمو الاقتصاد ضاربةً بعرض الحائط شعاراتها التي ترفعها ومبادئها التي تزعم أنها تتبنّاها في ديمقراطيتها, فإذا بالشعب المكبوت الأبي ينتفض انتفاضةً لا يقف أمامها شيء وقد بلغ به الجهد مبلغه وذاق من أصناف الظلم والغشم والقسوة والعبث ما أفسد عليه دينه ودنياه؛ فلم يعد لديه ما يخشاه أو يساوم عليه, فانقلب الحال بالطاغية في ليلةٍ واحدة وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت ولم تغنِ عنه جموعه ولا سلطانه وجاهه ولا خزائنه وأمواله, بل نبذه حتى أسياده وأولياء نعمته نفي الكلب الأجرب (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) , ولم يجد له مأوى في الأرض كلها إلا عند من شاكله في العمالة والنذالة من طغاة آل سعود الذين لا ترق قلوبهم ولا تظهر إنسانيتهم إلا مع الطغاة أمثالهم, والذين طالما شرّدوا أولياء الله وطاردوهم بفتاوى أهل الزيغ والأهواء بحجّة:"من آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدلٌ ولا صرف", فهاهو طاغيةٌ من الطغاة الجبابرة الذين أجمع العالم مسلمهم وكافرهم على إجرامه وقبائحه ومخازيه قد آواه وحفظه واستقبله أولياء أموركم, فهلّا صدعتم بكلمة الحق في وجوههم كما صدّعتم رؤوس الصلحاء بالتزلّف إليهم وتطويع النصوص لإرضائهم؟

وعلى كل حال كانت تجربة ذلك الشعب الأبي المقهور أُسوةً لباقي الشعوب التي لا يختلف حالها عنه إلا في أسماء المتسلطين عليها, قام شعب مصر المطحون قومةً اضطربت لها الأرض شرقًا وغربًا, قاموا في وجه أحد فراعنة العصر"حسني باراك"وقد تفنّن في أنواع الإجرام التي مزّق بها ذلك الشعب الطيب إربًا إربًا, وكان حاله معهم كما قال الله سبحانه في حق سلفه من حكام مصر: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) فملأ السجون, وشرّد وقتّل الخيار, وحارب الدين, ووقف وقوفًا مُعلنًا بلا مواربة مع ألدّ أعداء الأمّة من اليهود والأمريكان, وجعل مصر مستباحةً لهم تتدفق عليهم خيراتها ويتدفقون عليها لإفسادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت