هذا والشعب المسكين يكِدّ الليل والنهار لتحصيل لُقيمةٍ يُقيم بها صلبه ويسد بها رمق من يعول, فما رق الطاغية لضعيف, وما رحم فقيرًا, ولا التفت لمعوز, ولا اغتم لمعدم, بل زاد على تجويع شعبه بتجويع جيرانه, فحاصر غزة وأوصد الأبواب أمام أهلها من فوق الأرض وتحتها, كل ذلك طلبًا لإرضاء اليهود وحمايةً لكيانهم المجرم, فلمّا بلغ السيل الزبى والسكين العظم وأراد الله إنفاذ أمره الذي لا مرد له قام ذلك الشعب قومة الأسد الهصور بتعاضدٍ وتناصر لرفع الظلم ونيل شيءٍ من الكرامة المسلوبة, فصبر وصابر وثبت وصمد, وبقيت دول الغرب وأمريكا خصوصًا حائرةً مضطربة وهي ترى عميلها الوفي وعبدها الشقي يفقد سطوته ويتبدّد سلطانه فما لبث أمام ثبات الشعب وتضحياته وصموده وتحديه أن هوى كما هوى سابقه وأُلقي في مزبلة التاريخ, (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) .
ثم جاء دور مسيلمة العصر الكذاب الأشر شانئ النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم وقد وقع بين فكّي الرحى؛ فتونس غربًا ومصر شرقًا, بعدما ذاق الشعب الليبي على يديه من صنوف التنكيل والتشريد والتعبيد أكثر من اثنين وأربعين عامًا ما لا تكاد تراه في شعبٍ من شعوب الأرض وجعلهم حقل تجارب أفكاره العفنة وخزعبلاته النتنة وسياساته الرعناء وآرائه الخرقاء الحمقاء, ولو قدّر الله أن يبقى هذا الطاغية المعتوه سالمًا ممكّنًا حتى يموت على فراشه من غير أن ينتفض الشعب في وجهه لكان ذلك عارًا تتناقله الأجيال أبد الدهر ولكن الله سلّم, وإنما الأعمال بالخواتيم.
فعبثه لا ينتهي وتجاربه لا تتوقف وسخافاته لا تنقطع وظلمه ظلماتٌ بعضها فوق بعض, ومع ذلك فلا يمر يومٌ إلا وهو أشد عتوًّا وأكثر طغيانًا, وقد سلّط أبناءه على رقاب العباد وأموال البلاد ونشر الفساد وأطلق أيديهم ليتصرفوا فيها وكأنها مُلكٌ لهم والناس عبيدهم, لا يُسألون عما يفعلون, وأغرى عصاباته الإجرامية لتعيث في الأرض فتعتقل وتقتل وتسطو وتنهب وتُذل وتُرهب بلا حسيبٍ ولا رقيب, فقام الشعب الليبي في وجه الظلم والطغيان والإذلال والهوان اقتداءً بجيرانه الأبطال وإحياءً لسيرة أجداده البواسل, وقد صدقت فيهم فراسة شوقي حينما قال في رثاء شيخ الشهداء عمر المختار:
ركزوا رفاتك في الرمال لواءا * * * يستنهض الوادي صباح مساءا
يا ويحهم نصبوا منارًا من دمٍ * * * توحي إلى جيل الغدِ البغضاءا
فأصبح ذلك النظام الأسود يتردّى ليلحق بإخوانه الظلمة وهو يحاول أن يتشبّث فيما بقي من حبال