الملك البالية بكل ما أوتي من قوة ويعض على ذلك بالنواجذ, ولكن هيهات هيهات فقد حان وقت القصاص بعدما تحطّم صنم الخوف الذي غرسته في قلوب الناس عقودًا, لتقف أمام صخرةٍ صلبة من التحدي والشجاعة والتضحية, سجّل مواقفها هذا الشعب في ساحات بنغازي والبيضا ودرنا وجدابيا وطرابلس ومصراته والزاوية وغيرها من المدن التي لم تعبأ بالتهديد ولم تكترث بالوعيد ولم تُنصت لاستجداء أو تلتفت للهراء, وقد صوّبت سهامها لاستئصال نظامك الذي شان البلاد وأهان البلاد وتُرمى أنت وأبناؤك وحاشيتك ومرتزقتك وكتابك في أقذر مزابل التاريخ بعدما صدق فيك قول الله تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا*وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا*وَبَنِينَ شُهُودًا*وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا*ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ*كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا) , فتلك أربعون عامًا عُمِّرتها يا مُعمِّر الشر, ومالك ممدود, وبنوك شهود, وسلطانك مُمهّد, فما ازددت بها إلا عتوًا كبيرًا, فها أنت اليوم تنادي والمُلك يُنزع منك نزعًا (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) فتبًّا لك ثم تبًّا لك فاغرب غير مأسوفٍ عليك (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ*وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ*كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ*فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) .
فيا أيها الشعب الأبي بقبائله الوفية, سِر على دربك مستعينًا بربك, محدِّدًا هدفك, مجدِّدًا عهدك, قاصِدًا غايتك, بلا تردّدٍ ولا خور, واقذف القذّافي في هاوية الهوان؛ فإنّ ضريبة التراجع أو النكوص عقودٌ أخرى هي أشد وأنكد وأطم وأظلم مما عاينت وعانيت, ولا محل لأنصاف الحلول, وإنما الموت مرة, وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم, والهموم بقدر الهِمم.
إذا غامرت في شرفٍ مرومِ * * * فلا تقنع بما دون النجومِ
فطعم الموت في أمرٍ صغيرٍ * * * كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ
ثم هذه دعوةٌ إلى من بقي من علماء ليبيا الصادقين ودعاتها الناصحين ومثقفيها المخلصين وشبابها الغيورين أن يجنوا من وراء هذه الثورة أطيب الثمار, وأن لا يجعلوها بعد هذا العنت والتعب والتضحيات والصبر بيد العابثين العملاء الذين لا يعرفون إلا مصالحهم, ولا يتّبعون إلا أهواءهم, ولا يرغبون إلا في شهواتهم, فيرتقي أشلاءكم ويستغل دماءكم ويحصد جهودكم مخبولٌ آخر يسومكم سوء العذاب, ولتجعلوا أسلحتكم بأيديكم, ولتجمعوا وتخزِّنوا ما استطعتم منها, وإياكم ثم إياكم أن تفرطوا فيها أو تتنازلوا عنها أو تعدوا اقتناءها جريمةً منكرة, فوالله ما أذل هؤلاء الطغاة شعوبهم إلا بعد أن سلبوا سلاحها وأتقنوا تدجينها وصيّروها كالقطعان ينتقون ويذبحون بلا مدافعةٍ ولا منازعة, فما