فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 967

مهما سعت لتحصيل راحتها في غيرها فلن تجد سوى الضنك والضيق والتعاسة والشقاء والنكد والظلم وإن تفاوتت مراتبه بين ظالمٍ وأظلم وطاغيةٍ وأطغى ومنكودٍ وأنكد, فالشر شرٌ وإن تفاوتت دركاته, قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقال سبحانه: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى*وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) .

وعليه, فإنّ إسقاط هذه الأنظمة العميلة الفاسدة ليس هو النهاية في مسيرة التغيير الحقيقية التي يجب السعي إليها, وإنما هو خطوةٌ تتبعها خطوات, وجُهدٌ تلحقه جهود لنصل جميعًا إلى الغاية التي يصبو إليها كل مسلمٍ صادق؛ وهو أن تكون كلمة الله هي العليا, فيُبسط العدل ويسود الأمن وتُحفظ الحقوق وتُصان كرامة الإنسان, ولن يكون ذلك إلا في شريعة الإسلام, وما سواه فهو (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) .

والواقف في منتصف الطريق لن يصل, ولا ينبغي أبدًا للدعاة والمجاهدين وللجماعات الإسلامية أن تأخذهم غمرة الحماسة فينسوا مقصدهم الأول وغايتهم التي لا تنازل عنها ولا استحياء من الإجهار بها والدعوة إليها وبذل الجهود لبلوغها, وليجعلوا ما يتحقق اليوم زادًا لمواصلة الدرب من غير كللٍ ولا ملل ولا تراجعٍ أو تحريف, فإنّ من أعظم ما حقّقته هذه الانتفاضات المتتالية تحطيم حاجز الخوف والرعب والهلع الذي كانت تلك الأنظمة المستبدة تسوس الناس به وتشعرهم بأنها معهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم, تعد أنفاسهم وتراقب حركاتهم وتسمع كلماتهم, فأصبحت بعد استئسادها على شعوبها واتخاذها حقل تجاربٍ لأهوائها تقف اليوم موقف المدافع الضعيف المستجدي, وهذا يعني أنّ الشعوب قد عرفت طريق التغيير وأدركت تمام الإدراك أنّ زمن الإرعاب قد ولّى, وأنّ الحكام هم ضعفاء أمام إرادة شعوبهم إذا اتحدت وتحدّت, وأنّ الإصرار لا بد أن يُقابل بإصرار, والعزيمة لا يدفعها إلا العزائم, فسيرتسم في ذهن كل طاغيةٍ بعدها صورةٌ ماثلةٌ لأسلافه ممن كان أشد منه قوةً وأكثر جمعًا, فيعلم أنّ مُلكه رهن بانتفاضةٍ جادة تُتبِعه بهم وتُلحقه بأنذالهم.

وإنّ هذه الشعوب التي قدّمت كل هذه التضحيات مع ركام التغييب والترهيب الذي مارسه عليها هؤلاء الطغاة بأساليبهم وألاعيبهم ومؤسساتهم وأجهزتهم لن تبخل أبدًا في بذل ما تستطيع لأجل إعلاء كلمة الحق إذا بانت لها الطريق, وظهرت أمامها الحقائق, وتأكدت من سلامة المسلك, فإنّ الخير لا يزال كثيرًا فيها كامنًا في قلوبها جاريًا على فطرتها, وأنّها وإن أصابها الضعف حينًا من الدهر إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت