وأطهره وأطيبه وأزكاه دم سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي نازل الأعداء بنفسه وقاتلهم بسيفه حتى شُجّ رأسه وكُسِرت رباعيته وجرت دماؤه الطاهرة على خده ومسحها بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم ليقول بِفعله لكل قائِد يريد أن يقيم عِماد الدين ويسلك سبيل الهادين المهديين هذا هو الطريق فالزمه, فسالت من بعده دماء شهيد المِحراب عمر بن الخطاب ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم, ولم تزل قافلة التضحيات تُقدِّم أشرافها وغطاريفها وسادتها وقادتها يحدوهم في رحلتهم الطويلة وهم يُقحِمون أنفسهم بحور المنايا (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ*وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) .
فوارسُ لا يملون المنايا *** إذا دارت رحى الحرب الزبونِ
ولا تبلى بسالتهم وإن هم *** صُلُوا بالحرب حينًا بعد حينِ
فالثباتَ الثباتَ يا أبطالَ العِراق' فوالله لقد دنا النصر ولاحت بشائرُ التمكين وسطعت علاماتُ الظفر؛ فالفجر لا ينبلج إلا مع اشتداد الظلمة, والمولود لا يرى النور إلا بعد آلام المخاض (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) وإن الفرج مع الكرب.
إذا الحادثاتُ بلغن المدى *** وكادت لهنّ تذوبُ المُهجْ
وحلّ البلاءُ وقلّ الوفاء *** فعند التناهي يكونُ الفرجْ
فقد أضحى العدو يترنح ترنح المخبول بعدما أثخنته الجروح وأنهكته القروح وصُبّت عليه المصائب صبًّا فلتعلنوها عليهم حرب مغامرات لا تقف عند الساحل بل يخوض رجالها -وما أكثرهم- ثبج بحر المخاطرة ليخلعوا قلوب أكابر المجرمين وهم في منطقتهم الخضراء حيث ظنوا الأمان! ولتقلبوها عليهم منطقةً حمراء لا تعرف إلا الدم, ولتحققوا بأبطالكم الأنجاد ما قاله شيخ الإسلام قديمًا في إحدى رسائله:"ثم عند المسلمين من الرجال"