فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 967

فالكلام على هذه المرحلة لا يختلف عن التفصيل الذي ذكرته فيما سبق، والفارق فقط في مصدر الشبهة التي قادت الشباب إلى ترك مواقع الرباط والاستسلام للطاغوت، فهناك كان الدافع اضطراريا قسريا في العموم الغالب، وهنا الدافع (شبهة شرعية) ، والمتمثلة في فتوى من عالم معتبر"بأن على الشباب ترك الجبال والتخلي عن مقاتلة النظام والاجتهاد في المصالحة معه لحقن الدماء" (أظن هذا هو مضمون الفتوى) ، فمن نزل بناء على هذه الفتوى ووثوقًا فيها وفي قائلها فوزره على من أفتاه ما دام متجردًا عن الهوى حريصًا على معرفة الحق والذي ظنه فيما ذهب إليه من الاستسلام، فإن توقف أمره عند النزول من الجبال ونأى بنفسه عن الطاغوت وجنده فلا يتعرض له ولا تُشغلوا أنفسكم به فمن كان فيه خير ألحقه الله بكم ومن كان غير ذلك فهو شر نفاه الله عن صفوفكم {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [1] .

وأما من أضاف إلى نزوله واستسلامه معاونة المرتدين والوقوف بجانبهم والدلالة على عورات المجاهدين والمشاركة في التمشيطات والمطاردات والاعتقالات والأكمنة فهذا حكمه حكمهم أثناء القتال فيقتل ولا كرامة.

فإذا كنا سنعذر أمثال هؤلاء الذين عاشوا مع المجاهدين ويعرفون حقيقتهم ويطلعون على دوافعهم ولا يشكون في صدقهم وأنهم خيرٌ ألف مرة من الطاغوت الذي يعاضدونه فإننا سنعذر كثيرًا من جيوش دول الردة التي تستند في تنكيلها على فتاوى زائغة زائفة يصدرها علماء الضلالة وتجار الدين أو بعض السذج الذين تروج عليهم الأقاويل والأباطيل، ومن كان من هؤلاء المستسلمين ملبسًا عليه تلبيسًا حقيقيًا بحيث ظن أن ما يفعله هو الحق الحقيق بالاتباع وأن ما سواه باطل وضلال فهذا وإن احتمل أن يكون عذرًا له عند الله تعالى إلا أنه لا يمنع من قتاله لكف شره الذي يصل إلى سفك الدماء ويؤول إلى انتهاك الأعراض ويؤدي إلى تعطيل الجهاد وتشريد المجاهدين واستمرار التمكين للمرتدين، فحال المجاهدين معه كحال دفع الصائل على العرض والدين والذي لا ينكف شره إلا بالقتل، وليس لهؤلاء المستسلمين أن يحتجوا لأفعالهم ومشاركاتهم بإكراه ولا بتضييق ولا باضطرار، فإن العلماء متفقون على أن المسلم لو أكره على قتل أخيه المسلم لما جاز له ذلك ولو أدى إلى قتل المكرَه، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر المؤمن باعتزال قتال الفتنة والامتناع عن ذلك ولو بكسر سيفه فكيف يكون الحال إذا كان هذا القتال هو إعانة للكفرة

(1) سورة التوبة: 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت