فهرس الكتاب
المرتدين على المجاهدين الصادقين؟ فكيف إذا كان المعين يعلم يقينًا أن ما يقدمه من معلومات يؤدي إلى إزهاق أرواح وانتهاك أعراض وإذهاب جهود؟ لا سيما بعد اعتدال أحوال الجهاد والمجاهدين في الجبال وتحسن أوضاعهم وقدرتهم على إيواء واستقبال المشردين المطاردين المضطهدين فإن العذر بعد ذلك في حق هؤلاء المعاونين للمرتدين على المجاهدين يعد منتفيًا، قال شيخ الإسلام رحمه الله:
[وإذا كان الجهاد واجبًا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله فَقتلُ من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا، بل قد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه، وليس له أن يقاتل وإن قتل، كما في صحيح مسلم[1] عن أبى بكرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه) ، قال فقال رجل يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج أن استطاع النجاة، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت) ، فقال رجل يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فيضربنى رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلنى قال (يبوء باثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار) ، ففى هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال أو إفساد السلاح الذى يقاتل به، وقد دخل في ذلك المكره وغيره، ثم بين أن المكره إذا قتل ظلمًا كان القاتل قد باء باثمه وإثم المقتول، كما قال تعالى في قصة ابني آدم عن المظلوم: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ} ، ومعلوم أن الإنسان إذا صال صائل على نفسه جاز له الدفع بالسنة والإجماع ... والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل مظلوما؛ فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين وكما لو أكره رجل رجلا على قتل
(1) صحيح مسلم: 2887.