فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 967

وأما أصحاب الأمراض المزمنة التي تعوق عن الجهاد ويكون أصحابها عبئًا على المجاهدين فلقول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [1] ، وقوله عز وجل: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [2] .

قال في تفسير الجلالين: [ (ليس على الضعفاء) كالشيوخ (ولا على المرضى) كالعمي والزَّمنى (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون) في الجهاد (حرج) إثم في التخلف عنه (إذا نصحوا لله ورسوله) في حال قعودهم بعدم الإرجاف والتثبيط والطاعة (ما على المحسنين) بذلك (من سبيل) طريق بالمؤاخذة (والله غفور) لهم (رحيم) بهم في التوسعة في ذلك]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر) [3] رواه البخاري وأبو داود ولفظه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم المرض) [4] .

فالحاصل أن أصل بقاء هؤلاء على قمم الجهاد لأجل الجهاد ليس متوجبًا عليهم إلا إن كان ذلك لحفظ أنفسهم وأعراضهم من زبانية الطاغوت، فنزولهم عن الجبال وبقاؤهم مع أهليهم ليس عليهم فيه شيء من حيث الأصل ما دام الشرع قد رفع عنهم الحرج والجُناح، فكيف إذا انضاف إلى وجودهم تعويق وتعطيل المجاهدين وإشغالهم بهم عن الأمور الأهم والأعظم فلا شك في جوازه في هذه الحالة إن لم نقل بوجوبه، وإنما ينظر في المعارض وهو ما يترتب على نزولهم من المفاسد والمضار التي يدركها ويقدرها المجاهدون أنفسهم وهم الذين يستطيعون تقويمها، وتلك المفاسد من قبيل اعتقال النساء وتعريضهن للمجرمين، وكاعتقال المرضى وإلزامهم بإعطاء معلومات مضرة بالجهاد والمجاهدين، فإذا انتفت هذه المفاسد وغيرها مما يظهر لكم في الواقع والتي تكافئ أو تزيد على تحمل تكاليف بقائهم بينكم جاز لكم إنزالهم وربما

(1) سورة الفتح: 17.

(2) سورة التوبة: 91.

(3) صحيح البخاري: 2839.

(4) صححهُ الألباني في صحيح أبي داود: 2508.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت