مع أنه مبني على تصور خاطئ شرعًا في مسألة البيعة ومكانتها في العمل الجهادي والذي يحتاج إلى تفصيل وتطويل لا يسع له المقام هنا، ولكن أقول باختصار: إن من دخل ساحة الجهاد وعمل تحت لواء قادتها وتعامل معهم على أساس أنهم أمراؤه وجرت عليه برامجهم التدريبية والعسكرية فإن هذا كافٍ لأن يوجب عليه السمع والطاعة لهم، وهو المعنى الذي يتأسس عليه مفهوم الإمارة، فلا جهاد بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا سمعٍ ولا طاعة، فوجوب طاعة أمراء الجهاد فيما هو داخلٌ في صلاحياتهم وأعمالهم ثابتٌ بالشرع كتابًا وسنةً، وليس بحاجة إلى البيعة لتأسيسه، وإنما البيعة لتأكيد هذا الواجب لا لإنشائه، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [1] وقد رجح الإمام ابن جرير أن المقصود بأولي الأمر في الآية هم الأمراء فليراجع فإنه مهمٌ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أطاعني فقد أطاعَ الله، ومَنْ عصاني فقد عَصى اللهَ، ومَنْ يُطعِ الأمِيرَ فَقَدْ أطَاعَني، ومَنْ يَعصِ الأمِيرَ فَقد عَصَانِي) رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة [2] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (السمع و الطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع عليه و لا طاعة) متفق عليه عن ابن عمر [3] ، والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة، وهذا المعنى هو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله وأكده وقد ذكرتم طرفًا منه في محاورتكم للإخوة الليبيين:
[فصل: وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة، كما يجب عليه الصلوات الخمس والزكاة والصيام وحج البيت وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة؛ فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه سواء حلف بالله أو غير ذلك من الأيمان التي يحلف بها المسلمون؛ فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه؛ فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله ورسوله عن معصيتهم وغشهم محرم وإن لم يحلف على ذلك، وهذا كما أنه إذا حلف ليصلين الخمس وليصومن شهر رمضان أو ليقضين الحق الذي عليه ويشهدن بالحق: فإن هذا واجب عليه وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والكذب وشرب الخمر والظلم والفواحش
(1) سورة النساء: 59.
(2) صحيح البخاري: 2957، صحيح مسلم: 1835.
(3) صحيح البخاري: 7144، صحيح مسلم: 1839.