وغش ولاة الأمور والخروج عما أمر الله به من طاعتهم: هو محرم؛ وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه ولهذا من كان حالفا على ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم أو الصلاة أو الزكاة أو صوم رمضان أو أداء الأمانة والعدل ونحو ذلك: لا يجوز لأحد أن يفتيه بمخالفة ما حلف عليه والحنث في يمينه؛ ولا يجوز له أن يستفتي في ذلك. ومن أفتى مثل هؤلاء بمخالفة ما حلفوا عليه والحنث في أيمانهم: فهو مفتر على الله الكذب مفت بغير دين الإسلام] [1] .
وكلامه وإن كان في أصله على الأئمة إلا أنه منطبقٌ على كل والٍ أو أميرٍ شرعي، إذ لا يسمى الأمير أميرًا ما لم يجب السمع والطاعة له، بل لا معنى لإمارته حينئذٍ.
إذا تقرر هذا، فإن المرء المجاهد إذا انضوى في عمله تحت جماعة من الجماعات الجهادية، واعتقد إمرة أمرائها عليه، وأنه يسمع ويطيع لهم -حتى ولو لم يبايع- فإنه لا يجوز له أن يحدث أمرًا يتعلق بالجهاد، ولا أن يترك ساحة الجهاد إلى غيرها -ولو لساحة جهادٍ أخرى- إلا بعد أن يستأذن أميره سواء أميره الأعلى، أو مَن هو دونه ممن يدخل هذا المرء في ولايته، ودليل ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [2] ،وقد استدل كثيرٌ من العلماء بهذه الآية على معانٍ أقل من مسائل الجهاد بكثير، كقول بعضهم ليس للمرء أن يخرج من صلاة الجمعة والإمام يخطب إلا بعد أن يستأذنه ونحو ذلك، بل لم يختلف العلماء -فيما اطلعت- أن الغزو داخلٌ دخولًا أوليًا في معنى (الأمر الجامع) ، ويمكن مراجعة كلام المفسرين على الآية فإنه مهم، وأنقل بعض ذلك وهو قول العلامة السعدي -رحمه الله-:
[هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته، أن يكونوا فيه جميعا، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ورسوله حقا، لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض الحوائج التي يشذ بها عنهم، إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل موجب الإيمان، عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا وأدبهم مع رسوله وولي
(1) مجموع الفتاوى: (35/ 9) .
(2) سورة النور: 62.