فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 967

الأمر منهم، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ولكن هل يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين: أحدهما: أن يكون لشأن من شئونهم، وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر، فلا يؤذن له.

والثاني: أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} فإذا كان له عذر واستأذن، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن، وأذن له بشرطيه، أمر الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان، ولهذا قال: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُم اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر] [1] .

وإنني دائمًا أشبه تشبيها إجماليًا حال الجماعات الجهادية القائمة اليوم بالجيوش التي كانت إبان الدولة الإسلامية والتي تخرج منها لغزو بلاد الكفار، فقد ذكر العلماء أن الخارج في ذلك الجيش ليس له أن يخرج منه للاحتطاب، ولا للاعتلاف، ولا لغير ذلك بغير إذن أميره، مع أن هذه الأمور -جمع الحطب والعلف- من المصلحة الظاهرة والمباشرة التي تتعلق بالجيش، واستدلوا على هذه الأمور الصغيرة بالآية المذكورة، فكيف بما هو أكبر من ذلك وأظهر، قال الإمام ابن قدامة المقدسي -رحمه الله تعالى-:

["مسألة: وإذا غزا الأمير بالناس، لم يجز لأحد أن يتعلف، ولا يحتطب، ولا يبارز علجا، ولا يخرج من العسكر، ولا يحدث حدثا، إلا بإذنه"يعني: لا يخرج من العسكر لتعلف، وهو تحصيل العلف للدواب، ولا لاحتطاب، ولا غيره إلا بإذن الأمير؛ لقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} ؛ ولأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم، ومواضعهم، وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه، لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو، فيأخذوه، أو طليعة لهم، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك.

وإذا كان بإذن الأمير، لم يأذن لهم إلا إلى مكان آمن، وربما يبعث معهم من الجيش من يحرسهم ويطلع لهم] [2] ، ومثل كلام ابن قدامة كثيرٌ، فليقرأ بعناية تامة.

(1) تفسير السعدي: 576.

(2) المغني: (20/ 452) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت