فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 967

الإمكان والترقق في المخاطبة، مع علمي بشناعة ما يرد عليه، ولكن مع ذلك فلا تنسوا -إخواني الأحبة- أن قسوة العبارة وخشونة الكلمات والفظاظة في المخاطبة هو مما نرمى به دائمًا بحقٍ وبغير حقٍّ، مع أن بعض منتقدي المجاهدين والرادين على كتاباتهم وأبحاثهم ممن يتمسح بالسماحة ويتصنِّع بالهدوء والرزانة ويتشبَّع باتساع الصدر للمخالف والانبساط له في المحاورة -تجد أسلوبهم مليئًا بعبارات التهكم والازدراء وربما الشتم الاستخفاف والتضليل والتسرّع في الأحكام وتكاد ترى صفحات مقالاتهم تقطر حقدًا أو حسدًا والله المستعان، ولكن التهمة في هذه المسألة قد التصقت التصاقًا متينًا بكَتَبةِ المجاهدين، وقد يكون ذلك ناتجًا عن بعض الكتب أو الأبحاث أو الردود أو عناوين المقالات التي تتضمن شيئًا مما يجنح بالقارئ إلى هذا المعنى، فأحيانًا ما تلمس في الكتابات التي تتحدث عن مسائل الجهاد بصورها المتعددة شيئًا من الانفعال الذي إن كان لائقًا في موضعٍ من المواضع أو موضوع من المواضيع أو في كتابٍ من الكتب لكن لا ينبغي أن يكون هو الأسلوب السائد والطريقة الجارية -وأنا هنا أتكلم على العموم لا على خصوص ما كتبه الشيخان - بل إن الهدوء ورقة العبارة مع الرصانة وقوة الحجة وإحكام العبارة والابتعاد عن الإزراء وما يقاربه كل ذلك أدعى إلى قبول الكلام وفرض الاحترام وسرعة الإلجام، والعكس بالعكس، فمثلًا لا أرى من اللائق أن توصف جمعية الشاعر بأنها: (جمعية الجبن والفجور والهوى) ، إذ لا شك ونحن نناصح رجلًا مثل الشاعر ونريد بيان الحق له أو لمن وراءه نصدّه بمثل هذه الأوصاف، فالمقصود إجمالًا هنا: هو أنني أحبذ لإخواني المشايخ والكتَّاب أن يُحكِموا أقلامهم ويرتقوا بها إلى أعلى درجات الرفق واللين وينأوا عن التجريح اللاذع وإن كان ولا بد فلا يكون سمةً بارزةً في مقالاتهم وكتاباتهم وإنما هي شذرات تحصل بين الحين والحينِ بحسب ما يقتضيه المقام، وليكن همنا الأول ومقصدنا الأساسي هو هداية الخلق وإرشادهم وكشف الشبهات التي تعترضهم وتعتريهم، مع استحضار حال مَن نرد عليه والنظر أيضًا لِمن وراءه ويتبع آراءه، ولا نعامل الجميع معاملةً واحدةً ونجريهم على نفس النسق، وهذا تنبيهٌ عامٌ وليس متعلقًا بكتابي الأخوين حفظهما الله ففيهما خيرٌ كبير وقد أفدت منهما كثيرًا، وغالبًا ما أذكر في هذا المقام ما رواه البخاري ومسلم عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: السام عليك، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله) ، فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (قد قلت: وعليكم) » [1] .

(1) صحيح البخاري: 6024.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت