فهرس الكتاب
وقد بوب البخاري على هذا الحديث: باب الرفق في الأمر كله، فمع بذاءة ما قاله اليهود وشناعته وبخستهم المعهودة إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - -وفي هذا الموطن - يرشد عائشة رضي الله عنها إلى الرفق والبعد عن الفحش والتفحش، ويعطيها قاعدة عامة وهي أن الله يحب الرفق في الأمر كله، والأحاديث في ذلك لا تخفى على الأفاضل الأماثل أمثالكم، ولكن للتنبيه فقط، ولا يعني هذا أن الشدة لا مكان لها في الوعظ والتذكير والرد والإرشاد، ولكن كما أشرت أثناء الكلام نحاول جهدنا أن لا نجعل ذلك هو الطابع العام لمقالاتنا وكتاباتنا ولا حتى إصداراتنا، لا سيما لِمن كان وراءه أتباعٌ يرجعون إليه ويعتمدون على أقاويله، فإن إبداء الاحترام له والترفق في مخاطبته هو من دواعي استجابته أو حتى استجابة مَن يكون وراءه أو على الأقل كفِّ ألسنتهم وأقلامهم وعدم استثارتهم واستنفارهم وتهييجهم ضد الجهاد والمجاهدين، والحجة تقابلها الحجة، والدعاوى تدمغها البينات، وهي التي عليها الاعتماد وإليها المرجع، فلنقدِّمها إلى الناس بأحسن الأساليب وأنسبها لكل مقام ومع كل مخاطب: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [1] .
وأرجو أن أكون وفقت في إيصال ما أرومه من معنى.
الثاني: أقترح على هؤلاء الإخوة المشايخ الأفاضل الاستمرار في تأصيل المسائل الشرعية وإثراء المكتبة الإسلامية عمومًا والجهادية خصوصًا كما فعل إخواننا في جزيرة العرب الذين تصدوا لمسائل عديدة وقضايا جديدة خاصة في أوساط مجتمعهم العلمي وأدخلوها إلى دائرة البحث والمدارسة حتى صارت جزءًا من أدبيات الجهاد، فهم إن ذهبوا وقتلوا-نسأل الله أن يتقبلهم- فقد تركوا وراءهم صدقة جارية ومجهودًا علميًا كبيرًا ما زال المجاهدون ينتفعون بكثيرٍ منه، وهكذا ما كتبه إخواننا في جماعة الجهاد في مصر وغيرهم، ولكن مع التأني في بحث وترجيح مسائل النوازل بحيث ينظر إليها الكاتب من جميع نواحيها، ويحاول جهده جمع ما يمسها من الأدلة وكلام العلماء باستيفاء وتقصِّي وتجردٍ، (وليس من شرط الترجيح في مسائل الجهاد النازلة أن يكون جميع المجاهدين في ساحات الجهاد متفقين على خلاصتها ونتيجتها) ، ولهذا ينبغي للكاتب أو المصنف والباحث أن يحصر نتيجة ما توصَّل إليه على نظره واجتهاده وبحثه ويحذر أن يعمم ذلك ليجعله نظرة المجاهدين عمومًا ومن المسلَّمات عندهم، فقد يكون هناك من المجاهدين مَن يبحث المسألة ويصل إلى خلاف ما توصل إليه هو فيقع الحرج وتدخل أقلام النقد والنقض
(1) سورة آل عمران: 159.