فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 967

والضرب في الطول والعرض، واختلاف الاجتهادا في مسائل الجهاد ليس فيها أدنى حرج ولا طعن في طريق الجهاد ولا هو دليلٌ على التنازع والاختلاف بل أرى ذلك من أكبر دواعي اتّساع الصدور، وهو أمرٌ تربويٌّ ينبغي أن يغرس في نفوس المجاهدين بحيث توضع كل مسألة موضعها ويدخل عليها من بابها، سواء كانت تلك المسائل إجماعية، أو خلافية، أو اجتهادية، بل أرى أحيانًا أنه من المناسب أن يذكر في المسألة أن للمجاهدين قولًا آخر ذهب إليه بعض علمائهم وفضلائهم، وأن اختياراتهم في ذلك تعددت، وذلك حتى لا تنقلب بعض المسائل الفرعية الاجتهادية إلى مسائل عقدية قطعية في أذهان كثير من المجاهدين بحيث يعدون من خالف فيها القول الذي يعرفونه ولا يعرفون غيره قد خالف قطعيًا من القطعيات أو أنه وبسبب الرأي الذي ترجح عنده لم يعد على (منهج الجهاد) ، فإن هذا تضييق لما وسّع فيه الشرع والله أعلم.

هذا ولا يمكن حمل المجاهدين -من جهة القناعة القلبية - في جميع المسائل على رأيٍ واحدٍ ولا قولٍ متفقٍ متطابقٍ، ولكن هذا شيءٌ وإجراء سياسة الجماعة على ما اختارته (ترجيحًا) في مسائل الاجتهاد شيءٌ آخر، فيقول العالم أو المجتهد بما ترجح عنده وظهر له إلا أنه يتَّبع أمراءه فيما ترجح لهم واختاروه في مواطن الاجتهاد حتى لا يقع التنازع ولا يحصل الاختلاف والتدافع، وكل هذا في مسائل الاجتهاد كما قال العلامة ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-:

[وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة - يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية. ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض. والصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض. ويروى عن أبي يوسف: أنه لما حج مع هارون الرشيد، فاحتجم الخليفة، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لأبي يوسف: أصليت خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين. يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع] [1] ، والأمر عندكم واضحٌ إن شاء الله ولكن هذه الأمور كلها للتنبيه، وحتى لا نضيِّق على أنفسنا فيما وسعه الشرع علينا، فلم يزل علماء المذاهب يقاتل بعضهم وراء بعض ومع بعضٍ في المعركة الواحدة والجيش الواحد مع ما

(1) شرح العقيدة الطحاوية: (1/ 246) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت