الدين وأُصوله ومُرتكزاته, قال الله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .
إنّ هذا الحدث الأليم العظيم الأثيم قد كشف عوار تلك الدعوات المهينة الاستسلامية الانهزامية التي رفع لواءها بعض الإسلاميين ممن أُشرِبوا حُبّها وشغفوا بشعاراتها, والتي تكاد تطوي سجل الجهاد طيًا لا رجعة بعده ولا عود, وتستحيي من ذِكره فضلًا عن الدعوة إليه, مستبدلة الذي هو أدنى بالذي هو خير, فراحت تركض وراء سراب الديمقراطية وشِعارات الحرية وخدائع المساواة.
فها نحن اليوم نجني ثِمار ما زرع أولئك فالكفرة يُحاجونهم بقواعدهم التي تبنوها ويُناظِرونهم ويُلزِمونهم بأُصولهم التي نافحوا عنها ودعوا إليها وركضوا وراءها حتى ذابت في بحر التمييع والاستلطاف حقائق الدين ومصطلحاته الكبرى, فسُمي الكافر بـ (الآخر) , ونُعِت الكفرة بـ (غير المسلمين) , وثقُل على ألسن الكثيرين وصف المجرمين بهذه الصفة التي سمّاهم الله العليم الخبير بها, وكبُر عليهم مناداتهم ومخاطبتهم بها وراحوا وراء ذلك يتحسسون ويبحثون عن قواسم مشتركة يتم فيها التعايش ويُبتعد عن صراع الحضارات كما زعموا وتمنوا.
فبعد هذه الجناية الأثيمة ألم يأنِ للذين يلهثون وراء سراب الديمقراطية عقودًا متتالية أن يفيقوا من غفلتهم ويستيقظوا من سُباتهم ويرجعوا ويتراجعوا عن متاهاتهم ويكفوا عن تضليل أمتهم ويقفوا عند حدود الشرع مُذعنين مستسلمين عالمين بأن الخير كل الخير فيما اختاره الله سبحانه وتعالى لهم.
أما دروا أنهم قد خدروا شعوبهم وخدعوها بذلك؟
ألم يشعروا أنهم أماتوا الغيرة والحمية في قلوب المؤمنين وقلبوا الحقائق في أذهانهم؟
فماذا لو قال لهم الكفرة المجرمون -وقد قالوها- بأن حرية التعبير -وهي من أُسس النظام الديمقراطي- لا تمنع من شيء ولا تحد حدا ولا تقدس أحدا؟
أما آن لنا أن نسد هذا الباب الذي لم يُدخل علينا إلا كل شر وضلال ووبال؟
فإلى متى نخادع أنفسنا بها ونُغمِض أعيننا عن فسادها وإفسادها, ونُميت قلوبنا بدعواتها؟
داهنّاهم فما داهنونا, وتوددنا إليهم فما وادّونا, وألنّا إليهم فتصلبوا أمامنا, ومدحناهم فأكثروا من ذمنا, وقدّسناهم فأهانونا, واستجديناهم فاستعلوا علينا, فلماذا نلبِّس الحق بالباطل, ونمزج النجس بالطاهر, ونخلط الدنِس بالخالص, ثم نقول للناس هذا دين الله الذي جاءت به الرسل وجُرِّدت لأجله السيوف وتقارعت في سبيل تحقيقه الأبطال.