فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 967

نعم .. إنّ ما فعله هؤلاء الكفرة وإن كان أمرًا مستعظمًا ومُستبشعًا ومُستقبحًا لدى كل صاحب إيمانٍ وخُلُقٍ وهُدى إلا أنه ليس بغريبٍ على من عرف مناهج الكفرة قديمًا وحديثا, وخبِر طرائقهم في محاربة الدين سرًا وجهرا, واستوعب أساليبهم في التنفير منه ومن أصحابه وحملته قولًا وفِعلا, فلطالما حدثنا القرآن الكريم بكل وضوح وجلاء وبيان عن صور الصراع الدائم المتواصل بين الرسل وأتباعهم من جهة وبين أعدائهم الكفرة من جهة أخرى بالطعن واللعن والسخرية والاستهزاء والتعالي والتكبر والقتل والرجم والتهجير والتهديد.

فما حصل اليوم ما هو إلا حلقة متصلة بهذه السلسلة العدائية القذرة الضاربة في أعماق أعماق الزمن والتاريخ, فهو غريب وعجيب على من لم يعرف سبيل المجرمين على حقيقتها, وهو غريب وعجيب على من لم يستقِ مفاهيمه وآراءه ومذاهبه من مشكاة الوحي الذي جلا بنوره كل تلك الترهات, وهو غريبٌ وعجيب على من أحسن الظن بالكفر والكافرين وحسب أنهم صادقون مخلصون في شعارات التسامح والتعايش ونبذ العداء والاحتكام إلى الحوارات.

أمّا أهل الإيمان الصادق والمعرفة الحقة والعقيدة الراسخة والفهم القويم والاستمساك بالعروة الوثقى فهؤلاء يقرؤون في كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) .

ويقرؤون فيه: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) .

ويقرؤون فيه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) .

ويتلون فيه أيضا: (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) .

فالشيطان هو الشيطان وأولياؤه وأنصاره وأتباعه هم اليوم كما هم بالأمس, فلماذا العجب إذًا مما فعل رعاة البقر وعبدة الشهوات وسقط الخلائق الذين قال الله فيهم: (وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) , وقال الله فيهم: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) .

إذًا فنحن أمام إعادة بشعة لصورة طالما ذكّرنا بها القرآن الكريم, وعرفها وعرّفها التاريخ من العداء والبغضاء والكراهية والحِقد الذي مارسه الكفرة ضد أنبيائهم ورُسُلِهم, وهذا الفعل القذِر هو بمثابة معول ضخم هُشِّمت به دعاوى الحضارة والتقدم والرُقي التي راجت على كثير من المُغفّلين أو الغافلين, وأظهرت أن الكفر هو الكفر والكافر هو الكافر والعداوة هي العداوة, سواء مارسها رجل يقود جملًا أو حِمارًا أو بغلة أم مارسها رجل يركب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت