أما هؤلاء الذين تردّوا في حفر الضلالات، هؤلاء الذين اغترّوا بالأسماء و بالبهارج و بزينة الحياة الدنيا أولئك كما وصفهم الله سبحانه و تعالى {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ، {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} ، هؤلاء {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ} .
فقعد الشيطان لابن آدم في هذا الطريق ليحول بينه و بين هذه النعمة العظيمة بين هذا النور العميم الذي أكرم الله سبحانه و تعالى به البشريّة، فقال: أتسلم و تذر دينك و دين آبائك و آباء آبائك؟ فعصاه فأسلم، فتجاوز هذا الإنسان العقبة الأولى, و إنّما تجاوزها بفضل الله ومنّته وحده سبحانه و تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} .
تذكّر يا عبد الله أن ما أنت فيه من الإيمان و الإسلام و الطاعة و العقيدة الصافية الصحيحة النقيّة إنّما هو بفضل الله عزّ و جل عليك، ليس بخبرتك و لا بحنكتك و لا بتدبيرك و لا بوراثتك، وإنّما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.
{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} , {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} .
الله سبحانه و تعالى هو الذي أذن لنفسك بأن تدخل في هذا الدين، فتشبّث بهذه النعمة و أكثر شكر الله سبحانه و تعالى عليها.
ثم قعد له في طريق الهجرة, و إنّما ذكر النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث الأمور العظيمة الثلاثة التي يتكرر اقترانها في كتاب الله كثيرًا: الإسلام و الهجرة و الجهاد
كما قال الله سبحانه و تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} , و قال سبحانه و تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا} .
و قال سبحانه و تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ} .
فيتكرر اقتران هذه الأمر الثلاثة: الإسلام الهجرة الجهاد كثيرًا في كتاب الله عزّ و جل، فالهجرة هي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، و هذا الحديث و كما يدل على ذلك الآيات القرآنية المتعددة، يدلنا على أن التعايش المتساوي بين أهل الايمان و أهل الكفر في الموطن الواحد لا يمكن أن يقع.
لا بد أن يحصل التدافع بين أهل الايمان الحق و بين أهل الكفر و الضلال، لأن الإسلام في ذاته لا يقبل الباطل، و لأن الباطل في ذاته لا يقبل الهدى، فلذلك يحصل التدافع فيما بينهم, فإما أن يتغلب أهل الايمان على أهل