فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 967

أَعدَائِنَا؟ إِنْ لَم تَثُرْ غَيْرَتُنَا عَلَى أَعرَاضِنَا فَلِأَجلِ مَاذَا تَثُورُ؟ إِنْ لَم نَنتَفِضْ لِأَجلِ عَقِيدَتِنَا فَلِمَاذَا إِذَن نَنسِبُ أَنفُسَنَا لِدِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ أَلَيسَ دِينُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الذِي يَقُولُ لَنَا: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِاللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلى الأَرْضِ) ؟ تَشَبَّثْتُم بِهَذِهِ الأَرضِ , تَمَسَّكْتُمْ بِزَهرَتِهَا وَعَضَضْتُمْ بِنَوَاجِذِكُم وَأَسْنَانِكُم وَأَضْرَاسِكُم عَلَى أَموَالِها.

نَعَم , فَلِذَلِكَ تَعِسَ هَؤُلَاءِ تَعِسَ عَبَدَةُ الدُّنيَا! كَمَا دَعَا عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ , عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنهُ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَ عَبدُ الدِّرهَمِ وَ عَبدُ الخَمِيصَةِ وَعَبدُ القَطِيفَةِ ان أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِن لَم يُعْطَ سَخِطَ , تَعِسَ وَ انْتَكَسَ وَ إِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ"."

نَعَمْ! وَ مَنْ يُقَابِلُ هَذَا؟ مَنْ يُقَابِلُ عَابِدَ الدُّنيَا؟ مَنْ يُقَابِلُ عَابِدَ الدِّينَارِ وَ الدُّولَارِ وَ الجَاهِ وَ السُّلْطَانِ وَ التَّمَلُّقِ لِلظَلَمَةِ؟ يُقَابِلُهُ مَنْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِي حَقِّهِ:"طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بَعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ , إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ وِ إِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ".

نَعَم , هُوَ لَيسَ صَاحِبَ مَظهَرٍ وَ لَا صَاحِبَ لِبَاسٍ وَ لَا صَاحِبَ جَاهٍ وَلَا صَاحِبَ شُهرَةٍ , هُوَ مِن الأَخفِياءِ الأَتقِياءِ الذِينَ لَا تَعرِفُهُم وَسَائِلُ الإِعْلَامِ , وَ لَا تَستَقبِلُهُم الفَضَائِياتُ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:"إِنْ اسْتَاذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ , وَإِنْ شَفَعَ لَم يُشَفَّعْ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

هَذَا هُوَ حَالُ عَابِدِ الدُّنيَا وَهَذَا هُوَ حَالُ مَنْ طَلَّقَهَا مِمَّنْ نَفَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَطُوبَى لَكُم يَا شَبَابَ الإِسلامِ طُوبَى لَكُم هَذِهِ النِّعْمَة العَظِيمَة التي وَفَّقَكُم اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَيهَا , طُوبَى لَكُم هَذَا الفَضْل العَظِيم الذِي يَسَّرَهُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيكُم.

أَنتُم مِن الفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ , يَمُوتُ أَحَدُكُم وَحَاجَتُهُ فِي نَفسِهِ لَا يَجِدُ لَهَا قَضَاءً كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ , فَكَم مِن الشَّبَابِ الأَخفِياءِ الأَتقِياءِ الأَنقِياءِ الذِينَ يَقِفُونَ لَيلًا وَ نَهَارًَا ذَبًَّا عَن شَرِيعَةِ اللهِ وَحِمَايَةً لأَعْرَاضِ المُسْلِمينَ , وَدِفَاعًَا عَن مُقَدَّسَاتِهِم وَ لَا يَعرِفُهُم أَحَدٌ وَلَا يَسْمَعُ بِهِم أَحَدٌ , يَمُوتُ أَحَدُهُم وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَجِدُ لَهَا قَضَاءً , عَن عَبدِ اللهِ بِنِ عَمْروٍ بِنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:"أَوَّلُ ثُلَّةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ الفُقَرَاءُ المُهَاجِرُونَ الذِينَ تُتَّقَى بِهِم المَكَارِهُ , وَإِذَا أُمِرُوا سَمِعُوا وَأَطَاعُوا", وَإِذَا أُمِرُوا سَمِعُوا وَأَطَاعُوا , هَذَا هُوَ شَرْطُهُم , هَذَا هُوَ حَالُهُم , تِلكَ هِيَ صِفَتُهُم , نَعَم , وَإِذَا أُمِرُوا سَمِعُوا وَأَطَاعُوا ,"الذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِي وَقُتِلُوا وَ أُوذُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِي", وَ إِنَّ اللهَ لَيَدعُو الجَنَّةَ فَتَأتِي بِزُخرُفِهَا وَ زِينَتِهَا , فَتَأتِي الجَنَّةُ بِزُخرُفِهَا وَ زِينَتِهَا فَيَقُولُ:"ادْخُلُوهَا"فَيَدْخُلُونَهَا بِغَيرِ حِسَابٍ فَتَأتِي المَلائِكَةُ فَيَسجُدُونَ , يَسجُدُونَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولونَ:"يَارَبّ , نَحنُ نُسَبِّحُ لَكَ الليلَ وَ النَّهَارَ وَنُقَدِّسُ لَكَ , مَنْ هَؤُلَاءِ الذِينَ آثَرتَهُم عَلَينَا؟", فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:"هَؤُلَاءِ عِبَادِيَ الذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِي وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي", فَتَدخُلُ عَلَيهِم المَلائِكَةُ مِنْ كُلِّ بَابٍ (سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرتُم فَنِعْمَ عَقْبَى الدَّارِ) , أَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجعَلَنَا مِنهُم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت