الثالثة: وقالت طائفة: إنه جائز الوقوع.
حجّة القائلين بوجوب الوقوع:
احتجّوا أولًا بأنّ الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك، ولا ريب في عدم تناهي المعاني؛ لأن الأعداد منها، وهي غير متناهية بلا خلاف.
واحتجوا ثانيًا: بأن الألفاظ العامة -كالموجود، والشيء- ثابتة في لغة العرب، وقد ثبت أن وجود كل شيء نفس ماهيته فيكون وجود الشيء مخالفا لوجود الآخر، مع أن كل واحد منهما يطلق عليه لفظ الموجود بالاشتراك.
حجّة القائلين بالامتناع:
قالوا بأن المخاطبة باللفظ المشترك لا يفيد فهم المقصود على التّمام، وما كان كذلك يكون منشأ للمفاسد.
حجّة القائلين بجواز الوقوع وإمكانه:
قالوا بأنّ المواضعة تابعة لأغراض المتكلم، وقد يكون للإنسان غرض في تعريف غيره شيئا على التّفصيل، وقد يكون غرضه تعريف ذلك الشيء على الإجمال، بحيث يكون ذكر التّفصيل سببًا للمفسدة. كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قال لمن سأله عن الهجرة عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منْ هو؟ فقال:"هو رجل يهدني السَّبِيلَ". [1]
وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ وَاثِقًا بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عَلَى التَّعْيِينِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ وَاثِقًا بِصِحَّةِ وُجُودِ أَحَدِهِمَا لَا مَحَالَةَ، فَحِينَئِذٍ يُطْلِقُ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لِئَلَّا يَكْذِبَ، وَلَا يُكذَّب، ولا يظهر جهله بِذَلِكَ فَإِنَّ أَيَّ مَعْنًى لَا يَصِحُّ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ كَانَ
(1) أخرجه البيهقي في جماع أبواب المبعث, بَابُ اتِّبَاعِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ أَثَرَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عليه وآله وَسَلَّمَ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ, 2/ 489.