وأمّا الإمام مالك فيُشبه عصره عصر أبي حنيفة، وتمثّل حياته في العهد الأموي فترة تكوين عقله وتفكيره وآرائه خلال أربعين سنة، وتمثّل حياته بعد أن بلغ أشدّه في العهد العباسي فترة إنتاجه، والاستفادة من علمه، وتبادل ثمرات الفكر مع الصِّحاب وتكوين التّلاميذ.
واتّسم عصر مالك كذلك بالحركة الفكرية التي نجمت من اتصال الفكر الإسلامي بالفلسفة اليونانية والفارسية والهندية إثر حركة التّرجمة على النّحو المذكور في الحديث عن عصر أبي حنيفة؛ ممّا أدّى إلى منازعات فكرية حول عقائد متباينة، وآراء متناحرة؛ إلا أنّ أبا حنيفة كان بالعراق موطن هذا التّناحر، فتأثّر بها تأثيرًا مباشرًا؛ بينما كان مالك بالمدينة التي عاشت بمنأى عن هذه المنازعات الفكرية، ولم يرج في سوقها مذاهبها، بل راج فيها علم الكتاب والسّنّة؛ فكان تأثيرها على مالك سلبيًا. [1]
وفي المدينة كانت المدرسة الفقهية الأولى المعروفة بمدرسة الفقهاء السّبعة، وعلى يد تلاميذ هذه المدرسة تلقّى مالك العلم، وهم يؤثرون الرِّواية ويرون فيها عصمة من الفتن، ولا يأخذون بالرَّأي إلا اضطرارًا، وعلى النّقيض من هذا، كان أساتذة أبي حنيفة من شيوخ مدرسة أهل الرّأي في العراق الذين يفترضون مسائل غير واقعية ويضعون لها أحكاما بآرائهم. ومع هذا كان للرّأي في فقه مالك حظُّ لتبادل المعارف في عصره.
ومحمّد الصّاحب الثّاني لأبي حنيفة أخذ الحديث عن الثّوري، ولازمه مالك ثلاث سنوات وأخذ عنه، وكان مالك معنيا بمعرفة آراء أبي حنيفة في المسائل المختلفة. وقد استطاع مالك في جوّ المدينة الهادئ أن يصون نفسه عن موجة
(1) راجع أسباب اختلاف الفقهاء، مرجع سابق, ص 260 - 264، وتاريخ التشريع, مرجع سابق, ص 245 - 235.