أهل الأهواء العارمة التي كادت تشغل أذهان المسلمين عن حقيقة الدِّين، كالشِّيعة, والخوارج, والقدرية، والجهمية، والمرجئة. [1]
ويمثِّل فقه الإمام الشّافعي نمو الفقه الإسلامي، الذي يجمع بين فقه أهل الرّأي وفقه أهل الحديث؛ فإليه يرجع الفضل في وضع موازين القياس، وإليه يرجع الفضل في محاولة ضبط طرق فهم الكتاب والسُّنة بما وضعه من مبادئ الاستنباط بأصول الفقه، وقواعد التّخريج. ذلك أنّ الإمام الشّافعي تخرَّج على الإمام مالك إمام دار الهجرة، وشيخ مدرسة أهل الحجاز في عصره، واتَّصل كذلك بمحمّد بن الحسن، ودرسَ فقهَ أهلِ العراق؛ فجمع بهذا بين المنهجين الواضحين في الفقه الإسلامي. [2]
وفي عصر الإمام أحمد نضج الفقه، واستقامت طرائقه، والتقت فيه ثمرات جهود فقهاء الأمصار جميعا من عراقيين، وشاميين، وحجازين، ووجد أحمد ثروة فقهية عظيمة خلّفها السّابقون من المجتهدين، فيما دُوّن من كتب في مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشّافعي، واتّصل بنفسه بالشَّافعي، فاستثمر هذا الفقه فيما لديه من علوم السُّنة، وتميّز بمنهجه الفقهي الذي يغلب عليه طابع السُّنة, فإنّ دراسة السُّنة في عهده قد نضجت كذلك، وعَنيَ العلماء بها دراية ورواية، واهتمّ أحمد بتحصيلها، وأكبّ على دراستها؛ فكان إمامًا في الحديث والفقه، وفي مسنده خير شاهد على إمامته في الحديث.
وفي عصر أحمد أيضًا اشتدّ الاحتكاك الفكري وكثُر الجدل بين الفقهاء من جانب، وبينهم وبين علماء الكلام من المعتزلة والجهمية والمرجئة من جانب
(1) المراجع السّابقة وانظر كذلك: خلّاف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التّشريع، (مطبعة المدني، المؤسسة السّعودية بمصر) , ص 243.
(2) تاريخ التّشريع, مرجع سابق, ص 358، وانظر أسباب اختلاف الفقهاء, مرجع سابق, ص 264 - 267.