فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 948

هنا أراد الناظم أن يبين لنا حقيقة الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح لماذا؟ لأنه أصولي ومبحث الأصولي لا في التصديقات ولا في إثبات الأحكام في نفسها وإنما في تصور الأحكام لذلك قال:

فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ

حقيقة الشيء إذا أردنا أن نحد شيء فإما أن نبينه بحقيقته وهو ما يسمى عند المناطقة بالجنس والفصل، أو بلوازمه وهو ما يسمى عندهم بالرسم والأثر إما أن ينظر في حقيقته فيحد بالجنس والفصل، وإما أن ينظر فيه من جهة صفة من صفاته أو لازم من لوازمه وهذا يسمى بماذا؟ بالرسم عند المناطقة.

معرف على ثلاثة قُسِم ** حد ورسمي ولفظي عُلِمْ

ثلاثة.

فالحد بالجنس وفصل واقع ** والرسم بالجنس وخاصة مع

ونقص الحد بفصل أو مع ** جنس بعيد لا قريب وقع

وناقص الرسم بخاصة فقط ** أو مع جنس أبعد قد ارتبط

إذن تعريف الشيء إما أن ينظر إليه بحقيقته الجنس والفصل سواء كان تامًا أو ناقصًا وإما أن يذكر برسمه يعني بلازم من لوازمه أو بأثر من آثاره لماذا يحد بأثر من آثاره؟ نقول: نظم الناظم هنا الذي جرى عليه أنه لم يحد الواجب بحقيقته ولم يحد المحرم بحقيقته وإنما نظر إلى صفة من صفاته فعرف الواجب بصفة من صفاته أو بلازم من لوازمه وهذا يصح، لماذا؟ لأنه لا يقال: إذا حد الواجب بلازم من لوازمه أنه يلزم من ذلك أن يتحد لازم الواجب مع المحرم مع الندب مع المباح مع المكروه، لماذا؟ لأننا نقول: حقيقة الواجب مغايرة لحقيقة المحرم، مغايرة لحقيقة المندوب، وإذا اختلفت الحقائق لزم من ذلك اختلاف لوازمها إذا اختلفت الحقائق لزم من ذلك اختلاف لوازمها لكن الذي يكون لازمًا مميزًا لحقيقة المعرف عن غيره هو اللازم الخاص أو العَرَض الخاص الذي يسمى خاصًا أما العرض المشترك العام هذا لا يصح أن يكون مميزًا للمعرف عن غيره لماذا؟ لأنه لو قيل مثلًا الواجب ما أثيب على فعله هذا لازم من لوازمه ولو قيل: الندب ما أثيب على فعله، هذا أيضًا لازم من لوازمه لكن هل قولنا الواجب ما أثيب على فعله هل يعتبر هذا اللازم مميزًا للواجب عن غيره؟ الجواب: لا، لم؟ لأن الإثابة على الفعل ليست مختصة بالواجب بل يشترك معه الندب لذلك مر معنا أنه لو قيل: ما الإنسان؟ فقيل: ماش. ماش هذا عرض عام أم خاص؟ عام، لم؟ يشترك فيه الإنسان والحيوان وغيره كل من يصح منه الماشي دخل في كون الإنسان ماشي إذن ماش هذا عرض عام لا يصح أن يكون كاشفًا للمعرف عن غيره ولذلك لا يصح التعريف بالعرض العام فقط كذلك لو قيل: الواجب ما أثيب على فعله، نقول: لا يصح أن يكون هذا تعريفًا بذكر اللازم لأنه لازم مشترك ولا يميز حقيقة الواجب عن غيره كالندب لأنه يشركه في كون الثواب مرتب على فعليه إذن الناظم هنا جرى على تعريف الأحكام الشرعية بذكر لوازمها وهذا لا إشكال فيه لأنه أتى باللوازم الخاصة وإذا اختلفت الحقائق لزم ضرورة الاختلاف لوازمها لأن لوازم الواجب غير لوازم المندوب ولوازم المحرم غير لوازم الواجب وهكذا فكل منها لها لوازم تخصه.

إذن قوله:

فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت