أولًا: يراد بالمكروه الحرام، وهذا هو الكثير في نصوص الشرع -كتابا وسنة-، أن يطلق المكروه مرادًا به الحرام ولذلك عند الأئمة الثلاثة الشافعي مالك والشافعي وأحمد، أكثر ما يرد في كلامهم لفظ الكراهة مرادًا به التحريم لأنهم كانوا يتورعون ويحذرون من النهي الوارد في قوله تعالى: { (( (( تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل:116] فورعًا وخوفا من أن يقعوا في هذا النهي كانوا لا يتلفظون بلفظ الحرام، وإنما يقولون: أكره هذا ويريد به التحريم، ولذلك قال الإمام أحمد: أكره المتعة والصلاة في المقابر وهما محرمان عندهم لعن عبر بأكره، لماذا؟ يخشى من أن يزل أو يخطئ فيشمله النهي الوارد في الآية: { (( (( تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا • (( (( (( } [النحل:116] . فلو قال: حرام وأخطأ يخشى أن يكون داخلًا في الآية وهذا من شدة ورعهم رحمهم الله تعالى، كذلك ذكر الخرقي: يكره بآنية الذهب والفضة ونو في المذهب أنه حرام عدل عن لفظ التحريم إلى الكراهة تورعًا إذن هذا هو الموضع الأول يطلق المكروه مرادًا به الحرام، والنص المشهور الذي ذكرناه آنفًا لما ذكر الله عز وجل: أشد المحرمات، وهو الشرك بالله: {(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا (( (( (( (} [الإسراء:23] . ثم ذكر سائر المحرمات وكثيرًا من المحرمات ثم قال: { (( (( ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (( (( } [الإسراء:38] ومعلومٌ أن الشرك من أشد المحرمات بل هو أشدها إذن يطلق المكروه ويراد به الحرام.
الثاني: يطلق المكروه ويراد به الكراهة التنزيهية، التي هي المصطلح عند الفقهاء وعند الأصوليين، وهو قسيم الحرام في طلب الترك، ولكن عند المتأخرين إذا أطلق لفظ المكروه انصرف إلى ما نهي عنه نهيًا غير جازم صار علمًا بالغلبة، وإن كان في الشرع يطلق على الحرام وعلى المكروه كراهةً تنزيهية، يعني: في الشرع مشترك بين المعنيين وإن كان الأكثر استعمالًا على المحرم لكن في اصطلاح الفقهاء، ماذا؟ يختص المكروه بالكراهة التنزيهية من باب العلم بالغلبة وبعض العلاء:
وقد يصير علمًا بالغلبة ** مضافٌ أو مصحوب أل في العقبة
المكروه ينصرف إلى هذا فتكون أل للعهد الذهني.
الثالث: ما فيه شبهةٌ وترددٌ في تحريمه وهذا يكثر عند الفقهاء أن ما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء تحريمًا وكراهةً أو واجبًا وسنة، يطلقون على مع جواز الأصل في الفعل عندهم، يقولون: يكره تركه يكره استعمال كما يقولون في كثير من أصناف المياه إذا سُخِّنَ بنجس يقولون: كره مطلقًا، لماذا؟ للخلاف فيه إذًا هناك تردد بين التحريم وعدمه وهذا يستدلون له بحديث «الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمورٌ مشتبهات» ، إذن لا يجزم ويقطع بحلالها لأنها حلال ولا يقطع بتحريمها إذا كان هي فيها شبهةٌ مترددة بين الأمرين ولذلك قال: «إن الحلال بين -وليس كل الحلال- وإن الحرام بين وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس» . هذا الموضع الذي بين الحلال البين والحرام البين أطلق عليه كثير من الفقهاء لفظ المكروه: