فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 948

المسألة الرابعة: هل المكروه منهيٌ عنه حقيقةً؟ يذكرون في هذا الموضع المكروه يكون مكروه على وزان المندوب اختصارًا، ولهذا لا يبحثون في المكروه هل هو حكمٌ تكليفي أم لا هل هو منهيٌ عنه أم لا لماذا؟ لأن المكروه كما نص الناظم هنا: (عَكْسُ مَا نُدِبْ) فما هو على وزانه على غرره فكما اختلفوا هنا هل المندوب مأمورٌ به حقيقةً؟ هنا أيضًا اختلفوا في المكروه هل هو منهيٌ عنه حقيقةٌ؟ فلما جوزنا وصححنا أن المندوب مأمورٌ به حقيقة كذلك هنا نقول: المكروه منهيٌ عنه حقيقةً لماذا؟ لاستوائهما في الحد كما قلنا هناك: النهي استدعاء الترك حقيقةُ النهي استدعاء الترك والمنهي عنه الذي هو حرام مطلوب الترك، والمكروه كراهة التنزيه مطلوب الترك، إذن استويا في الحد. فكما يصدق لفظ النهي على الحرام حقيقةً يصدق على المكروه حقيقةً، كما قلنا: الأمر نوعان: أمر إيجاب، وأمر استحباب، أمرٌ جازم وأمرٌ غير جازم نوعان وقسمان لمسمًى واحد، فإذا سمي أحد القسمين لكونه مأمور الحقيقةً لزم أن يكون القسم الثاني مأمورًا به حقيقةً، كذلك النهي هنا قد يكون نهيًا جازمًا وقد يكون نهيًا غير جازمٍ فكما أطلق لفظ النهي حقيقةً على الجازم لزم من ذلك أن يطلق النهي حقيقةً على النهي الغير الجازم هذا وجه. أيضًا استعمال النهي في المكروه شائعٌ لغةً وشرعًا -يعني على ألسنة الفقهاء والأصوليين-، والأصل في الاستعمال الحقيقة ولذلك استعمل في الشرع أيضا مرادا به التحريم ومرادا به الكراهة التنزيهية فدل على أن لفظ النهي يصدق عليهما، لأن المحرم لا شك أنه منهيٌ عنه حقيقةً فاستعمل لفظ المكروه فيه، واستعمل لفظ المكروه في المنهي عنه نهيًا غير جازم فدل على استواء الأمرين.

هل المكروه تكليف؟ المسألة الخامسة: الجمهور على أنه ليس بتكليف:

وليس مندوبٌ وكرهٌ في الصح ** مكلفًا ولا المباح فرجح

في حده إلزام بالكلفة لا ** طلبه والمرتضع عند الملك

المسألة مبنية على حد التكليف، ما حقيقة التكليف؟ من قال: إنه إلزام ما فيه مشقة وكلفة قال: المكروه ليس ومن قال: إنه طلب ما فيه كلفة ومشقة قال: ليس المندوب، إلزام ما فيه مشقة، قال: إن المكروه ليس بتكليف، ومن قال: إن التكليف طلب ما فيه مشقة فحينئذٍ يكون المكروه مكلفا به والثاني هو الأصح، ولذلك نقول: الأحكام التكليفية أربعة، وأدخلنا المباح لما ذكرناه بالأمس وإذا عرفنا أن المكروه في اللغة المراد به المبغوض، وكل مبغوضٍ إلى النفس يطلق عليه أنه مكروه لغةً مناسبةً للاصطلاح الأصولي مع المعنى اللغوي، يلزم منه أن يكون في المفروض مشقة، وإنما المشقة اعتبرت كما اعتبرت في المندوب يعني: ليس باعتبار كل فردٍ فرد وإنما باعتبار جنس، فالمشقة موجودة في المكروه لكنها في جنس المكروهات وليس في كل فرد فرد. كما يقال: إن المشقة ثابتة في الواجب وليس كل واجبٍ يكون فيه مشقة على العبد بل بعضها تكون المشقة ظاهرة وبعضها تكون المشقة تكاد أن تكون منفية أصلًا هذا هو الحكم الرابع: وهو المكروه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت